الفلسطينيون في سوريا يذوقون من جديد مرارة الهجرة بعد نكبة 1948

تقول صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية ان بين نصف مليون لاجئ كانوا يقيمون في سوريا وعبروا الحدود الى لبنان، مجموعة وجدت انهم يعيشون ازدواجية النكبة اثناء حياتهم. اذ يقدر ان هناك 55 ألفا من الفلسطينيين الذين طلبوا الملاذ في لبنان من الحرب في سوريا حسب تقديرات الامم المتحدة، ومعظمهم من ابناء العائلات التي فرت من فلسطين بعد اعلان دولة اسرائيل العام 1948. جاء هذا في تقرير بعثت به مراسلة الصحيفة كارولين آنينغ من بيروت، هذا نصه:

كانوا لاجئين في سوريا يعيشون في مخيمات ولا يتمتعون بالمواطنة، لكنهم اقاموا حياتهم وبنوا مساكنهم وحافظوا على وظائفهم وبوجه عام اعتبروا انهم كانوا يتمتعون بأفضل مستويات الحياة بين اكثر من 4 ملايين لاجئ فلسطيني في اي مكان من المنطقة.

اما وقد فقدوا قواعدهم مرة خرى، فانهم يجدون انفسهم لا يملكون شيئا في دولة يحمل تاريخها المليء من بقايا بالصراع مع الفلسطينيين، وانهم لا يجدون الترحيب بهم.

وقال احمد أبو عرب (62) ان الفلسطينيين السوريين "انتقلوا من نكبة الى اخرى". كان عريض المنكبين يرتدي ملابس أنيقة، وقد ذرف الدمع وهو يستعيد كل شيء فقدته عائلته عندما فرت، تحت تهديد النيران، من شمال سوريا هذا العام.

وقال وهو ينفث سيغارته ويمسكها باصابع مرتعشة "افكر في افراد عائلتي كلها. البعض غادر فلسطين، واخرون بقوا في سوريا، ونحن الان في لبنان. لم يكن امامنا أي خيار الا المغادرة. القذائف اصابت الحي الذي كان نقيم فيه، واصيب منزلنا".

وقد استقبله اقارب له ومعه ست من افراد عائلته في شقتهم الصغيرة، التي تتكون من غرفتي نوم في مخيم برج البراجنة، وهو مكان بائس اقيمت فيه المساكن بشكل عشوائي في الطرف الجنوبي لبيروت لا يزال يحمل اثار المعارك التي دارت في الحرب الاهلية اللبنانية ما بين العام 1975 و 1990.

ويعيش فيه حوالي 16 الفا وقد حشروا في مساحة حضرية من كيلومتر مربع داخل شقق المباني المتهالكة. وتتشابك كوابل الكهرباء في الازقة المعتمة، حيث يلعب الاطفال وحيث مجاري المياه المكشوفة.

قال أبو عرب ان "الوضع هناك ليس مثل الوضع في سوريا. كان لي منزل من اربع غرف نوم في سوريا، وهناك تحصل كل المخيمات على الخدمات، ليس مثلما هو الحال هنا".

وبرج البراجنة من بين عشرة مخيمات للفلسطينيين في لبنان، تزداد كثافة سكانه مع وصول القادمين الجدد. وهم يتدفقون على المخيمات لان المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة ليست لديها سلطة مساعدة الفلسطينيين. اما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الدولية التي تقوم بتلك المهمة فانها لم تستلم التمويل اللازم لمواجهة هذا التدفق.

وهكذا فقد ترك القادمون الجدد ليتدبروا انفسهم بانفسهم، معتمدين على سخاء اقاربهم واصدقائهم وهؤلاء فقراء ايضا. ويصل عدد المقيمين في غرفة واحدة حوالي 20 شخصا، وقال سامر الياسر، المدير اللبناني الاقليمي لمؤسسة "أنيرا" الخيرية الاميركية التي تتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، ان العائلات المضيفة تجاهد لمواجهة هذا الوضع.

وقال ان "الفلسطينيين هنا في حال اسوأ عندما يتعلق الامر بالفقر والبنية التحتية والخدمات الاساسية مقارنة مع اي مكان اخر في المنطقة، بل حتى اسوأ من غزة. والفقير يستضيفه الاكثر فقرا، وهذا يشكل مشاكل هائلة".

غير ان الفلسطينيين بدأوا العودة الى سوريا في الايام الاخيرة عندما اكتشفوا مدى ضحالة الاوضاع في لبنان، حسب قول مسؤولي الاغاثة. ومع ازدياد كثافة القتال، فانهم لا يجدون امامهم اي خيار معقول.

ومن بين القادمين اخيرا الى برج البراجنة، عائلة تتكون من خمس نساء واطفالهن، دخلوا الى مكتب صغير لوكالة "نجمة" المحلية التي تساعد اللاجئين ايضا. وقد بدت عليهم صدمة القصف وعلامات الارهاق.

قالت احداهن: "لم نحمل معنا الا ملابسنا على ظهورنا، وكان علينا ان نسير لسبع ساعات". بدأت رحلتهن في نيسان (ابريل) عندما اضطررن لمغادرة منازلهن في مخيم عين التل في شمال سوريا بعد ان اقتحمه الثوار. وحسب تطور القتال، فانهن انتقلن الى حلب، ثم الى مخيم اليرموك للفلسطينيين في دمشق، وبعد ذلك مع تزايد القتال، قاموا بالرحلة المرهقة الى بيروت.

وحسب تقديرات الامم المتحدة، فان حوالي 65 في المائة من اصل 500 الف فلسطيني يعيشون في سوريا اصبحوا بلا مأوى بسبب اعمال العنف، ومعظمهم سعوا وراء الملاذ الامن في اماكن اخرى داخل البلاد. وعل وجه الاجمال، فان هناك اكثر من 1.5 مليون سوري هربوا من البلاد واكثر من 6.5 مليونا اصبحوا مشردين داخل البلاد.

وينقسم الفلسطينيون، بحيث ان هناك فصائل تؤيد الحكومة السورية واخرى الثوار، وقد يمنع هذا المقيمين في لبنان من الانخراط في صراع اخر، حسب قول فيليبو غراندي، المفوض العام لوكالة اونروا.

وقال: "اعتقد ان الفلسطينيين استوعبوا ثمن الانخراط في صراعات الاخرين. ومن المهم ان نتذكر كيف ان هناك حساسية سياسية في قضية اللاجئين الفلسطينيين في المنطقة. انها تثير الكثير من القلق".