الحاجة أم جمال...65 عاماً والقلب ما زال في "حمامة"

 أزقة ضيقة بالكاد تتسع لشخص للسير فيها، وجدران رمادية قديمة تآكلت مع السنوات، هي السمة المميزة لمخيمات اللاجئين في قطاع غزة، تعكس صور المعاناة والمأساة التي عايشها أهلها أيام نكبتهم الكبرى وتهجيرهم من أراضيهم عام 1948.

"مرت سنين وأيام ..65 سنة راحت وعمرنا ما رح ننسى الإجرام اللي عملوه فينا لما هجرونا من بلادنا". بهذه الكلمات حدثتنا الحاجة لطيفة شعبان مقداد "أم جمال" (80 عاما) من مخيم الشاطئ للاجئين.

وتقول الحاجة التي اكتسحت التجاعيد ملامحها، وهي تجلس على كرسيها المتحرك:" الأزقة الصغيرة ذات الجدران الرمادية هي الختم أو العلامة التي لم يمحها الزمن رغم مرور أكثر من ستين عاما على النكبة التي لحقت بالشعب الفلسطيني"، مشيرة إلى أن الأطفال ما زالوا يلعبون كما كانوا بالسابق وهي تشير إلى أحفادها الذين يلهون بالكرة في أزقة حارتهم التي يقطنون بها، وتقول:"  شايفة كيف الأولاد بلعبوا هم هيك دايما بلعبو بالمخيم بس ما بنسو أرض سيادهم".

ذاكرة لن تمحى

و تعود أصول الحاجة أم جمال إلى بلدة "حمامة"، قبل انقلاب قافلة الحياة بهم، وتهجيرهم عنوة من بلدتهم، لكنها لم تستطع أن تمحو من ذاكرتها أيام طفولتها حتى سن الخامسة من عمرها فسرعان ما يسافر بها قطار الزمن فور إغماض عينيها، اللتان بالكاد يعرف لونهما، ليعيدها إلى ما قبل ستين عاماً حين كانت تركض أميالا وأميال وسط الحقول وكروم العنب المتدلية عناقيدها عن أشجارها لتلتقطها مع أقرانها من الأطفال ويلعقوا عسلها أثناء لعبهم لـ"الشريدة" وسط تعالي ضحكات أفواههم الصغيرة، قبل أن يباغتهم الاحتلال بالقتل والاجتياح والتدمير، مما دفع الكثير من الشبان الفلسطينيين للمناداة بضرورة الدفاع عن الأرض والعرض من قطعان المستوطنين، فخرجوا بما يملكون من سلاح أبيض أو "طبنجات" بدائية، تاركين خلفهم مختار البلدة ليحمي أطفالها ونسائها، لكن الاحتلال سرعان ما قتل المختار – وهو رجل طويل القامة عريض المنكبين له هيبته وشخصيته الحاضرة-  بعد أن خرج مستسلماً ظنا منه بأنه يفادي الأهالي ارتكاب جرائم جماعية بحقهم، خاصة بعد خلو البلدة من الشبان الذين ذهبوا لنصرة ونجدة أهليهم في البلدات المجاورة، قتل المختار ووقع جثة هامدة على الأرض، ليسقط معه أي أمل يمكن أن يحمي أهالي البلدة بعد مقتل كبيرها وزعيمها، وخلوها من رجالها، فيما وصلت بعد ساعات شاحنة محملة بجثث أكثر من أربعين فدائي بالبلدة، كان من بينهم عشرة من أبناء عمومتها، لتكون تلك اللحظة هي الحاسمة أمام الرجالات المتبقين ليقرروا الرحيل منها والهجرة لمنطقة أخرى ظناً منهم أنهم سيعودون إليها بعد هدوء الأوضاع بها، هذا ما روته ذاكرة الحاجة أم جمال.

معاناة مستمرة

تروي "أم جمال" قصة رحلتهم الشاقة وهم حفاة الأقدام بملابس رثة وأجساد ترتجف من شدة البرد القارص من بلدة حمامة مرورا بالمجدل، حتى وصولهم إلى قطاع غزة، حيث خرجت الأسر الفلسطينية بما تبقى منها من أحياء معتلية ظهور الحمير والبقرـ متجهة إلى مكان أكثر أمانا لتصل إلى مدينة المجدل، وفرغوا حمولاتهم لينالوا قسطاً من الراحة تحت الشجر في ساحة خضراء، لم يجدوا فيها ما يشعر أطفالهم بالدفء سوا أن يتم دفنهم تحت الرمال لا يظهر منهم إلا وجههم، لحين وصول الشاحنة التي ستقلهم إلى غزة، مقابل عشر ليرات فلسطينية لكل فرد يتم نقله، وشعور الاغتراب وفقدان أفق المستقبل يخيم على أعين المتواجدين.

 

وتتابع أم جمال سرد قصة الرحيل بالقول إنه بعد وصولهم إلى غزة تم إكرامهم من قبل أهلها بعد أن دقوا على أبوابهم طالبين النجدة، بملامح الخوف المسيطرة عليهم، والحماية من القتل على أيدي العصابات الصهيونية، بيد أن المعاناة لم تنته هنا بل بدأت تخط طريقها الجديد من تشرد وضياع وانتظار الكوبونات من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين التي دشنت لهم معسكرا من الخيام، وتزويدهم ببعض الطعام، فيما شق العديد من الفلسطينيين طريق تشكيل جبهات مقاومة للاحتلال وضعت لنفسها أهدافا يسعون لتحقيقها باستعادة ما سلب منهم بالقوة، رافعين شعار " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، وهو ما لاحظته أم جمال على ملامح ابنها البكر جمال حين انضم إلى صفوف المقاومة، وامتهن الكتابة على جدران المخيم ضد الاحتلال.

أمل بالعودة

المقاومة الفلسطينية سعت وتسعى لتحرير أراضيها من دنس الاحتلال، كما تسعى الأمهات الفلسطينيات أن يزرعن حب الوطن والأرض في قلوب أبنائهن، مثلما غرس حب بلدة "حمامة" في قلوب أحفاد أم جمال، حيث تروي لهم القصص والأحاديث عن بلدتهم، وعن رغبة أجدادهم في استعادتها، بأي ثمن كان، وتحثهم على الحفاظ على أرضهم وعدم مغادرتها وتركها خلفهم خوفا من الموت، بل الاستماتة في الدفاع عنها، والموت على ترابها لإرهاب العدو بدلا من السماح له بإرهاب أصحاب الحق كما حدث إبان النكبة الكبرى، ما جعل رغدة الحفيدة الصغرى تقرأ وتقرأ عن بلدتها وترسم لها الصورة التي خيلت لها من خلال كتب التاريخ وحديث جدتها عنها، لتقول:" أتمنى أن أعود مع جدتي إلى الأرض وأجلس تحت أشجار العنب، وأستمع لها عن ذكرياتها التي لم تفارقني منذ أن فهمت معنى الوطن".

وتعتبر بلدة حمامة إحدى القرى الفلسطينية التي هجر أهلها بنكبة عام 1948، وهي تقع في الجنوب الغربي من ساحل البحر الأبيض المتوسط، و تعد جزء من الدولة العبرية، حيث تتجاوز مساحة أراضيها 41 ألف دونم، حسب الموسوعة الفلسطيني