سامحونا يا عصافير الحجارة
للشاعر فتحى سعيد
إيهِ أطفالَ الحجارة
يا قلوباً لم تزل خضراءَ ماجت بالشرارة
أجْفل الشعرُ ولجَّ الشعراء
دون أن تقبضَ كفُّ الشعرِ على جمْرِ العبارة
أعذرونا إن تسلَّقنا المعانى
ولهثنا خلف إيقاع الأغانى
وتسابقنا لتدْبيج القصائد
والأناشيدِ الأوابْد
دون أن نلقى الذين تلقون يوماً
أو نُعانى
يا أغانى
أين من عينىَّ هاتيك المغانى
والدم الغالى مُراق
دونه تلك المغانى والمعانى
يُوئد الأطفال فيها كل صبحٍ ومساء
ُيسحق العظْمُ وتُغتال النساء
ُتبتر الأعضاء والطفل عصُّ الإنحناء
وأبُ الطفل جليلُ الكبرياء
وأخُ الطفل بحضنِ الأمِّ
مَرجٌو إذا عزَّ الفداء
وملوكُ الشعراء
والأميراتُ وباقى الأمراء
والمماليك وغُلمان القصيدة
كل مَخصىّ مَجُوسى العقيدة
كل يمنّين بأكنافِ وزيرٍ أوجريدة
يكتبون الشعر فى قصر مُنيف
يسرقون الضوءَ ممن ُيذبحون
يَخْلسونَ الخبزَ ممن ُيوئدون
دون ملح أو بقايا من رغيفْ
يغمسون الحُزن فى ماءِ النبيذ
الفدتسىِّ على لحمِ خَنيد
يَشجبون الوضعَ والطفل صريعٌ فى المغارة
يشربون النخْبَ فى صحة "داءات الحجارة"
ثم يبكون على صرح الحضارة
دون أن تقبض كفُ الشعرِ
على جمْرِ العبارة
إيهِ أطفال الحجارة
يا قلوباٍ لم تزل خضراءَ ماجت بالشرارة
أجفل الشعر ولجَّ الشعراء
وتبارى الخطباء
أنْهكوا بحرِ القوافى
وامتطوا مُهرَ الفيافى
والندامى من فُحول الصحراء
الأجساويدِ بعْبسٍ ونُميرٍ
وقُريشٍ وغفارٍ وفَزَارة
بين قصفٍ وطرادٍ عبر بيداء المنافى
وندى عيش وَريف
غُضَّ منك الطرف لم تبلغ كلابا
لا ولم تبلغ بها كعباً
وإن بُلَّغت أبكاراً كعابا
أغمدْ السيفَ فلم تفتح به باباٍ فبابا
تُغصب الأرضُ اغتصابا
وبنو الأحرار فيها تأخذ الدنيا غِلابا
فامنع الحرفَ من الصرفِ
فقد أجلَّ العزاءْ
وانتهى عصر الجسارة
واعتلوا متن حمارِ الشعراء
رَجَزٌ حينا وحينا مُتدَارك
كى يُشارك
أو يباركْ
مثل قُراءِ المآتم
ودناصيرِ الولائم
يُنشدون الشعر فى كل المواسم
للأعاريب شتاء وربيعاً للأعاجم
وُيصلَّون بديوان المواسم
ويعودونَ بحشِ الفمِّ دُراً ودراهم
وبحشو الجسم ديباجاً
وفيروزاً وماساتِ خواتم
أبشروا يا آل ياسر
لكم الجنةُ والنارُ غرامٌ للشواعْر
كلُّهم قالوا على الدربِ المُعادْ
مثلما "بانت سعاد"
فالقلب مِشبوك
" مُتيَّم إثْرها لم يُفْدَ مكْبولُ "
والطفلُ مقتولُ
والعُذرَ مقبولُ
مثلما طال البعاد
يا حبيبى والسهاد
فالسيف مصقولُ
والحرُّ مغلولُ
والقول معسولُ
والرمح من فلذات الأرضِ مكحولُ
بدمٍ سال على حدِّ الحُسام
لا فم غنى بشعرٍ وكلام
وكأن الشعر فرض أن يُقال
دون حسٍ وانفعال
يسقطُ الشعر أمام الزحفِ
واللهبِ المُقدسى والبطولة
لعنةُ اللهِ علينا كم لقِينا
نحن أبناء القبيلة
من صُنوفِ الشعرِ ما يُخزى القبيلة
سمراءُ يا حلم الكُهولة
حمراء يا شفةَ الطفولة
سامحينا
يا عصافير الخميلة
يا فتى الأرض ويا بنتَ الجديلة
واغفرى للشعرِ إن غنَّى بأقوالٍ هزيلة
دون أن تقبض كفُ الشعر
على جمر العبارة
فليخجل الكبار
أمام موكب الصغار
طليعة الآتينَ من ثُوار
أكبادُنا التى بلا ساقين
بلا كفْينِ
دون رُتبةٍ أو شارة
رُتبتهم دماؤهم
مشاعلٌ مسقيةٌ بالنار
تعلو على القلاع والأسوار
أقوى من المغول والتتار
شارتُهم دم المسيرةِ الجبارة
ولحنُهم دمٌ يسيل فى جداول القيثارة
تعزفهُ أناملُ الأحجار
فتنزْف الأوتار
تصبغ لون البحرِ
حتى يعتلى دمُ البحار قُبة المنارة
تبعث من رُقادها المحارة
شوقا إلى القصيدة البتَّارة
فلتسقُط الأشعار
ولتَخرْس العبارة
أمام زحفِ عازفى الحجارة
