القشة المحروقة و الحريات الأكاديمية في جامعة الأقصى بغزة

 

"فجعتُ إذ شدني من يدي واحتواني بصدره..أحسست بحرارة طفيفة تنبعث من صدره.." من أجل هذه العبارة في قصة قصيرة بعنوان "الحب في الحرب" تم التحقيق من قبل جامعة الأقصى في غزة قبل ثلاثة أسابيع، مع الأكاديمي د.خضر محجز الذي يُدَرس مادة "أدب ونقد حديث" بنظام الساعة في كلية الآداب في الجامعة ذاتها، بعد أن توجهت طالبة بالشكوى وكتبت فيه تقريرا بقول كلمات نابية أثناء المحاضرة.

خضر يقول للمونوتر عبر الهاتف أن الكلمات التي يستخدمها بحسب ما وجهته لجنة التحقيق والتي حضرها عميد كلية الآداب ومستشار قانوني هي جزء من قصة أدبية وضعها كنموذج في كتابه الذي يحمل اسم المادة، لافتاً إلى أنه كان هناك اعتراض على كلمات أخرى مثل "نسوان"، "أولاد الكلب" و"اليهود" وذلك بدلا عن استخدام مصطلحات لها طابع أيدلوجي تُفضلها الجامعة كأبناء القردة والخنازير، مضيفاً: " إنهم يكرهون الشعر والأدب وكل ما له علاقة بالإبداع والحياة"

ويقول أنه تقاعد كأكاديمي من الجامعة العام الماضي ولكن جرت العادة ان يتم اعطاء أي مدرس وصل لسن التقاعد ساعات للتدريس، وتم ابتزازه من قبل مجلس إدارة الجامعة إذا لم يتوقف عن العمل فسيتم نشر بيان يشوه سمعته، الامر الذي جعله مجبرا عن التوقف عن الذهاب للجامعة.

وأوضح أن القضية انتشرت حين قام صديق صحافي بطرحها في صحيفة محلية لتبدأ حرباً ليس فقط مع إدارة الجامعة بل حركة حماس التي تتولى إدارة الجامعة منذ أكثر من عامين.

رئيس جامعة الأقصى د.سلام الآغا يقول للمونوتر أنه يتحدى طوال السنوات الماضية إذا كان تم تشكيل أي لجنة للحريات لاي طالب او أكاديمي بسبب وجهة نظره، مؤكدا انه لولا شكوى الطالبة لما تم تشكيل هذه اللجنة لمحجز.

وأوضح أنه مستعد ان يبرز امام الصحافة شكوى الطالبة، مكرراً ما وصفه بالكلمات البذيئة التي قالها محجز أثناء المحاضرة مثل "طقطق عظام صدرها وهو يحتضنها"، وكلمات أخرى مثل "قمصان نوم".

ويضيف الآغا أن جامعته أكثر الجامعات التي تعطي حق النقاش للطالب والمدرس وأنه لا يمكن فصل د.محجز لأنه في الأساس متقاعد، مشيراً إلى أن لجنة التحقيق التي تم تشكيلها له معظم اعضائها من حركة فتح والتي تمثل 70% من الجامعة.

د.عاطف أبو سيف كاتب وأكاديمي قابلته المونوتر في مقهى بغزة يرى أن جامعة الأقصى جرى لها عملية تطهير بكل معنى الكلمة، وتم تغيير جميع عمداء الكليات وفرض أيدلوجيات معينة ما جعل الجامعة كما غيرها من الجامعات الفلسطينية جزء من حالة الاشتباك في الشارع وليست منارة تنتج ابداعا كما كانت في التاريخ الفلسطيني حين كانت القيادات الطلابية هي القيادات الحركية للأحزاب الفلسطينية ومنظمة التحرير.

ويتابع: "في الماضي كان الرقيب على الحرية الأكاديمية هو ضابط الادارة الأمنية الاسرائيلي واليوم الرقيب هو الأمن الفلسطيني".

رقابة على الطلبة

وإذا كان الطالب يراقب مدرسه، فهناك أيضا من يراقب الطالب، مهند عبد الباري (22عاما) يقول للمونوتر أنه تخرج العام الماضي من إحدى جامعات غزة بعد معاناة طويلة مع التهديدات، موضحاً أنه ناقش في إحدى المحاضرات موضوع الدولة الإسلامية وبعد فترة قصيرة استدعاه أمن الجامعة الذي يتبع وزارة الداخلية المقالة يحذره من كون الأمن الفكري يتابع نشاطه ونقاشه.

وبحسب احصاءات وزارة التربية والتعليم العالي في 2013 فهناك 29 مؤسسة للتعليم العالي مرخصة في قطاع غزة ما بين الكليات والجامعات الخاصة والحكومية، يَدرس فيها 103468 طالباً وطالبة.

النقد بحدود

جامعة الأزهر من الجامعات المهمة في غزة ورغم ذلك تنضم إلى قائمة الجامعات التي تعاني من واقع الانقسام السياسي والاجتماعي، أحد أستاذتها د.أيوب عثمان فصلته الجامعة على اثر مقالات انتقد فيها الجامعة، ولكنه رجع مؤخراً بقرار من النائب العام.

ومثال على نقده، مقال نشر في يناير الماضي في موقع الحوار المتمدن بعض ما كتب فيه د.أيوب: "عجيب أمر هذه الجامعة التي مصيبتها في أربابها وقادتها الذين يكررون الخطأ والخطيئة والتجارب المريرة دون أن يتعلموا منها!"

عوني أبو سمعان مساعد نائب الرئيس للشؤون الاكاديمية في الأزهر يقول ان الجامعة تستوعب النقد بأبعد حدوده لكن حين يصل إلى تشهير وقذف بحق الجامعة وعبر منابر خارج قنوات النقد المعروفة فبالتالي يصبح هناك علامة استفهام كبرى.

وأضاف أبو سمعان خلال لقاء مع المونوتر في مكتبه ان عدد الطلبة في الجامعة حوالي 14 الف طالب و350 أكاديمي ما يتيح تنوعا كبيرا في الايدلوجيات على اختلاف مشاربها فالجامعة لا تفرض فكراً محدداً كما يحدث مع جامعات أخرى.

الطالب لا يناقش

في دراسة نشرها الباحث د.عادل الأسطة في مجلة رؤية بعنوان: "الحريات الأكاديمية في فلسطين جامعة النجاح نموذجاً" أكد أن الحريات الاكاديمية في جامعات الضفة وغزة تحكمها ثلاث سلطات هي السلطة الأخلاقية التي يحددها المجتمع والسلطة السياسية التي تحددها الجهة الحاكمة وسلطة الدين.

يافا مصطفى (20عاماً) طالبة في إحدى الجامعات ذات الأيدلوجية الاسلامية تشتكي من كتب العلوم الانسانية التي فيها كثير من الآراء غير الحيادية، وكذلك الأمر أثناء نقاش بعض الأساتذة في المحاضرات بشكل لا يقبل سوى رأيه ويعتبره مقدساً ما يجعل الطالبة تخشى مناقشته، مستدركة: "لكن مع الاسف هناك كثير من الجهل عند الطلبة أنفسهم في التاريخ والعلوم فلا يناقشون الأساتذة ويتلقون ما يسمعون بتسليم".

ابو سيف يعرّف الحرية الأكاديمية بأنها حرية الأستاذ أن يقول رأيه بصراحة حتى لو تعارض مع السياسات المعمول بها وتشمل هذه الحرية مقدرة الطالب وحقه في نقاش أفكار أستاذه بحرية تامة، لافتاً إلى أن العلاقة بين المعلم والدارس اختلت نتيجة غياب هذه الحرية ما أثر على مصداقية العلم، وأثار أزمة أخلاقية.

الانتخابات والانقسام

ويرى أبو سيف أن غياب انتخابات الطلبة منذ أكثر من ست سنوات يعمل على تقييد الحريات الاكاديمية ويقلل من حرية الإبداع والأخطر من ذلك أنه يحد من دور الجامعة، ويجعلها تابعة للتأزم السياسي بدلاً  من أن تقترح مبادرة لحله.

جامعة الاقصى التي يدرس فيها 26 ألف طالب وما يزيد عن الـ700 أكاديمي يعترف رئيسها الآغا أنه يعاني من ضغوط شديدة بسبب الانقسام السياسي بين فتح وحماس والخلاف الدائر بين شقي وزارتي التربية والتعليم العالي في غزة والضفة، مشدداً على جاهزيتهم لبدء انتخابات طلابية بل إنه تم عقد اجتماع لكل الجامعات العام الماضي وتقرر اجراء الانتخابات ولكن تم ابلاغ الجامعات من الخارج بأنه لم يحن الوقت بعد.

 

أبو سمعان من جامعة الأزهر يؤكد أهمية أن يكون هناك جسم طلابي يمثل هؤلاء الطلبة، وحريتهم في أن يختاروا من يمثلهم في مختلف المواقع، مبيناً أن هناك نقاش جدي داخل الجامعة للبدء في عمل انتخابات إلا أنه يوجد تخوف من حدوث ضغوط سياسية تؤثر على النتيجة.

ويبدو أن الرقابة على الحريات الأكاديمية في جامعات فلسطين موجودة منذ تأسيسها ففي ثمانينات القرن الماضي، بحسب دراسة د.الأسطة أنه في إحدى جامعات الضفة تقدم والد طالبة بشكوى بحق مدرس الأدب العربي لأنه ناقش رواية تحوي عبارات جنسية وهي الرواية الشهيرة "موسم الهجرة للشمال" للكاتب السوداني الطيب صالح، كما ترك الأكاديمي غازي فلاح عمله بسبب ضغوط في الجامعة ذاتها لأنه نعت الضفة الغربية بعبارة يهودا والسامرة.