وحين أراكِ تغيب الأشياء والمعاني – أغيب أنا والأنا وتبقين أنتِ ،فكلُ ما في الأمرِ أن لا احدَ يُشبِهكِ " قالها محمد وقد أخفى في مضامينها الكثير .. ليس الخجل أو حتى الخوف ما منعه من إفصاح ما كان يختلج أو يعتمل في صدره من أيما شيء، فحبه الكبير كان أكبر من أن تعبر عنه بضع كلمات محدودة المعنى . أراد لكلماته الفضفاضة أن تكون عميقة ، تدور حولها التأويلات والتفسيرات لتسقط على الحقيقة كاملة،.وفي حضرة غيابه اليوم تجتمع الكلمات والحروف المتناثرة لتتمم الجملة المبتورة ."وفي حبك يا أمي ويا وطني لا أحد يشبهني" .
وجهه الذي ارتسم على محياه ابتسامة عريضة تلتهب بالحب والحنين، أنامل شبابية ناعمة التفت السلاسل الحديدية حولها؛ علها تقبض في حلكة الليل تلك اليد التي لا تزال ترفع شعار النصر . ففي كل صباح يلج قسم الإعلام، وعيونه تتجه نحو الأفق، واثق الخطى يمشي وكأنه ملكاً، بريق عينيه يضيء دروبا طويلة خضبتها عنجهية الاحتلال بالاعتقال تارة وبالمضايقات تارة أخرى .
محمد يونس الأطرش (21) عاما ،طالب الإعلام في جامعة الخليل، وصاحب الصوت الجهور في راديو وإذاعة الخليل أيضا، يرتشف من أفق الإبداع والتميز والتفوق رشفات حب وانتماء للوطن، فقد كان يعلم انه في مرمى الاعتقال الإسرائيلي،فرجل لم يتفانى، ولم تردعه المنايا ، في كشف زيف الحقيقة، ولم يتزحزح عن مواقفه الرافضة قيد أنملة..أنى له أن يفلت من العقاب ! وأنى للأصفاد الإسرائيلية أيضا وفي ذات الوقت أن تنال من إرادته !
ليلة السابع عشر من نيسان ..وهي ليلة يسمها الفلسطينيون بيوم الأسير الفلسطيني، يحتفون فيها بأسراهم القابعين خلف القضبان الإسرائيلية ..يخط محمد الأطرش بأنامله خبر اعتقاله ،فعلى وقع أزرار لوحة المفاتيح يكتب " حملة اقتحامات الآن في محيط منزلنا "وما هي إلا برهة قصيرة يعاود فيها الكتابة مرة أخرى." الباب يطرق الآن ...إلى اللقاء ." يوجس الأصدقاء من الأمر خيفة، فهم يدركون أن كلمة إلى اللقاء تحمل بين جنباتها الكثير من المعاني ، وأهمها أدعوا له بالإفراج القريب .
صفاء الأطرش شقيقة محمد، تروي لنا بصوت يعزف الحان العز والافتخار حينا ،وبنبرات الحزن والشوق حينا آخر ، اللحظات الأولى لاعتقال أخيها ،ذاك الذي ينير بضياء نوره عتمة الوطن ، تقول نداء :"لقد كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية فجرا ،وما هي إلا لحظات قليلة تشق فيها الآليات العسكرية الكبيرة التي أحاطت بمنزلنا سكون الليل ، وتهتك هدوءه ، ومن فورها توقعنا كما توقع محمد أن باب السجن سيفتح له من جديد ، وما أن فتحنا باب البيت حتى تهاوت السنهتم تبحث عنه ، عاثوا في البيت فسادا ،ومكثوا في غرفته أكثر من ساعة ونصف الساعة يحققون معه، قبل أن يقيدوا يديه ويغمضوا عينيه ، و يقتادوه إلى جهة مجهولة".
وفي دقيقة صمت، يستسلم الكلام لمشهد الاعتقال، فلا السؤال لصفاء ولا جوابها لنا عادا قادرين على الصمود ، فعظمة الأخ ، وصدق الزميل لا توصف بأي كلمة ، أو لربما الكلمات ذاتها تسقط على الشفاه صرعى، تقتل الحروف في مهدها، تنقطع الحبال الصوتية شنقا، لئلا تقال كلمة اقل وزنا من مكانة محمد ،تستطرد صفاء حديثها بعد تنهيده قصيرة لتقول :" إن إرادة أخي وعزيمته أقوى من ظلم السجان ومن عتمة السجن ، فهذه ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها، فقد اعتقل عدة مرات كان آخرها أثناء سفره إلى الأردن ،عام 2012 .فلا نحن ولا محمد يمكن أن نهن أو حتى نضعف فكل ما نقدمه من تضحيات هو للوطن النازف".
تضحيات محمد يشدو ألحانها كل من عرفه صحفيا وزميلا، ففي إذاعة الخليل يئن الشوق لغيابه، جمهور كبير طربت أذناه للاستماع له ولصوته ولبرامجه، وزملاء يسافر بهم الحنين ليتحدثوا عنه، شادي الخطيب ،المهندس الصوتي في الإذاعة يقول في محمد :"لقد كان لحضور محمد في الإذاعة معاني كبيرة لنا ،فهو الابتسامة ،وهو صاحب الانتماء الكبير لعمله ودراسته، وكثيرا ما كان يحدثنا عن أمله الكبير في التخرج سريعا، كانت إرادته جبارة، كلما تذكرت ابتسامته وضحكاته يتسرب الأمل إلى داخلنا بالإفراج عنه سريعا ،أتمنى أن لا يطول هذا الاعتقال، وأن يعود للإذاعة ليكمل مشواره الذي رسم معالمه بإبداعاته ."
وفي ساعة ظلماء يفتقد زملاء محمد من قسم الإعلام زميلهم الذي اعتادوا على وجوده بينهم باسم الثغر ،بشوش الوجه ،فثمة فراغ كبير لغيابه، وثمة اشتياق لسماع صوته، وثمة أيضا دعوات بأن لا يطول هذا الاعتقال، فما تبقى لإتمام دراسته الجامعية شهر واحد فقط ، ينسج هؤلاء الزملاء من خيوط شوقهم له بريقاً يعانق مدى التفاؤل بفك أسره قريبا .
محمد الجمل من قسم الإعلام وأحد زملائه، لا يرى في محمد إلا ملاكا يمشي على الأرض، فلقد عرفه متواضعا ،متفائلا، لا يستسلم لليأس، يكن الاحترام لأصدقائه وأساتذته ، ودائما ما يرسم الابتسامة على وجوه من حوله بابتسامته الساحرة، وكل ما يرجوه محمد أن يتم الإفراج عن زميله في أسرع وقت حتى يتمكن من إتمام دراسته الجامعية .
ويبقى محمد الأطرش، والذي يعتبر شعلة العنفوان والنضال يحيك اليوم باعتقاله، وبقلمه الجريء وعدسة كاميرته التي لطالما رصدت الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بحق أبناء هذا الشعب ،حكاية جديدة و بفصول جديدة تعنون ..."لأجلك يا وطن " ،دفع محمد لهذه القضية مهراً من ذهب الحرية ،فهو كغيره ممن بثوا الكرامة إلى كل عروق الوطن بعد أن جفت لسنين عديدة ... فهو من يردد ومازال يردد ما قاله غسان كنفاني يوما في الوطن " سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضي ومستقبلي الوحيد ،لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب وجذور تستعصي على القلع ". فما اعتقاله ولا حتى تلك المضايقات المتكررة له في قواميس إرادة محمد تجد لها معنى غير أن أرواحنا وحرياتنا هي ما نعبد به طريق الحرية .
