ندفع 130 مليون دولار لغزة ..سلام فياض: وضعنا مأساوي.. ووصلنا إلى حد الإفلاس ولا افهم مشكلة "حماس" معي!
08 يناير 2013 . الساعة 09:48
بتوقيت القــدس
أجرت صحيفة "الشرق الأوسط" حوار مطولا مع د. سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني، تناول به تفاصيل الأزمة المالية ومجريات المصالحة الوطنية والعملية السياسية، بما فيها المفاوضات..
وبادرت «الشرق الأوسط»، الدكتور فياض بالسؤال عن الأزمة المالية المتصاعدة التي تعيشها السلطة الفلسطينية إلى حد أن الموظفين الحكوميين لم يتلقوا بعد رواتب شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، مما يهدد بانفجار موجة من الغضب على غرار ما حصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وألقي فيها اللوم على فياض شخصيا.
- كما تعلم فالأزمة المالية ملازمة لنا منذ عامين ونصف العام. بدأت كصعوبات مالية قبل عامين ونصف العام، وتطورت مع مرور الزمن بسبب عدم وصول ما يكفي من مساعدات بالقياس مع ما هو مبرمج في موازنة السلطة.. وهذا يضعف لديك هامش المناورة وإمكانية الاقتراض لأن الجميع بما في ذلك البنوك، يرى أن ما يردك من مساعدات لا يغطي مديونيتك. وهكذا سارت بنا الأمور إلى ما أصبح أزمة، في أواسط 2011. وعلى خلفية ذلك حاولنا مساعدة أنفسنا من خلال اتخاذ إجراءات لإحداث تقليص إضافي في عجز ميزانية السلطة، واتخذنا بالفعل هذه الإجراءات بجانبي الموازنة والنفقات منها، حيث عملنا على ترشيدها إضافيا، وسأفسر إليك ما أقصده بـ«إضافيا»، وأيضا من خلال محاولة زيادة الواردات بتكثيف الجهد الهادف لتوسيع الضريبة الإضافية.. ولكننا أيضا اضطررنا إلى زيادة ضريبة الدخل. وقد حصل جدل واسع حول هذا الموضوع أواخر 2011 وأوائل 2012.. تخللها جولات حوار وتوصلنا إلى صيغة مكنتنا من تحقيق ولو جزء مما أردنا. وتوضيحا لعبارة جهد إضافي أقول: إن السلطة عمدت منذ 2008 إلى اتخاذ الكثير من الإجراءات الكفيلة بتخفيض عجز الموازنة وأتى ذلك بنتائج طيبة جدا، تحديدا بلغة الأرقام.. وأذكر أن عام 2008 كان عاما قياسيا بحجم المساعدات الخارجية التي حصلت عليها السلطة لأغراض دعم الموازنة.. فقد بلغت المساعدات المخصصة لذلك مليار و800 مليون دولار وهذا مبلغ قياسي في تاريخ السلطة. وانخفض ذلك بحكم الإجراءات التي اتخذتها السلطة لتخفيض العجز، كجزء من السياسة المالية التي اعتمدت في إطار خطة العامين أيضا. وكموجه أساسي هادف إلى تحقيق قدر ممكن من الاعتماد على الذات.. وبالفعل انخفضت المساعدات من مليار و800 مليون دولار إلى نحو المليار دولار عام 2011. وهذا يعني أنه كان هناك جهد قائم لتخفيض العجز. لكن وكما ذكرت فإن عدم ورود من نحو عامين ونصف العام، ما يكفي من مساعدات حتى بالحد الأقل من الضروري، ترتب عليه صعوبات مالية تفاقمت إلى أن وصلت حد الأزمة في أواسط عام 2011.. وهذا الوضع دفعنا إلى اتخاذ إجراءات إضافية أواخر العام 2011، وبسبب استمرار عدم ورود ما يكفي من مساعدات، وجدت السلطة نفسها في عام 2012 في وضع أكثر صعوبة والسبب أنك لا تستطيع أن تجبي وأنت غير قادر على دفع ما عليك من التزامات. إذن الصعوبات المالية عقدت الجهود الوطنية الهادفة إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد على الذات. وبالتالي تفاقمت الصعوبات المالية في 2012 وصولا إلى ما شكل ضربة قاصمة، أتى ليخلق وضعا ماليا في منتهى الصعوبة لم تشهده السلطة إطلاقا، وذلك من خلال القرصنة الإسرائيلية للقمة عيش شعبنا متمثلة في احتجاز أموال السلطة عقابا لذهابها إلى الجمعية العامة لنيل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وانضمامها كدولة غير عضو في الأمم المتحدة.
* وما هو حجم الأموال الجمركية الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل باسم السلطة؟
- هذه تبلغ نحو 125 مليون دولار شهريا وهذا يمثل ما يزيد عن ثلثي إيرادات السلطة. حتى لو لم تكن السلطة تواجه أزمة مالية أصلا، فإن حجب هذه الأموال بحد ذاته كان كفيلا لوضعنا في وضع صعب، فما بالك والأزمة المالية قائمة.
* أنت تتحدث عن مليار ونصف المليار دولار سنويا..؟
- نعم وهذا يشكل كما ذكرت ما يزيد عن ثلثي الإيرادات التي تجبيها السلطة دون المساعدات. وجاء الحجب الإسرائيلي ليشل قدرة السلطة على الأداء في كثير من المرافق والخدمات.. ومن جملة ما انعكس هذا الوضع فيما انعكس في التأخير الكبير في دفع الرواتب وخاصة رواتب نوفمبر التي لم يدفع بعد سوى نصفها، إضافة بالطبع إلى رواتب ديسمبر (كانون الأول). وهذا يخلف حالة من البؤس الشديد لدى غالبية الجمهور الفلسطيني لأننا عندما نتحدث عن الرواتب إنما نتحدث عن نحو مليون مواطن في الأرض الفلسطينية المحتلة. وجراء هذه القرصنة الإسرائيلية فإن مليون فلسطيني وضعوا على مسار بالتأكيد سيوصلهم إلى حافة الفقر. وكجزء من معالجة هذا الموضوع اتخذت القمة العربية في بغداد في ربيع العام الماضي قرارا بتشكيل شبكة أمان مالي عربي لمواجهة أي عقوبات مالية تفرضها إسرائيل في سياق التحرك الفلسطيني الدولي أو على صعيد المصالحة الوطنية، تقوم الدول العربية بموجبها بتوفير ما قدره 100 مليون دولار للسلطة.
* وما يمكن أن يفعل مثل هذا المبلغ إذا كانت أموال الضريبة الجمركية تزيد عنه؟
- نعم هو أقل من الأموال المحتجزة.. لكن هذا هو القرار العربي..
* وكم هي قيمة الرواتب التي تدفعها السلطة لموظفيها؟
- سأعود إلى موضوع الرواتب لاحقا، لكن دعني أقول: إن القرار العربي اتخذ وجرى التأكيد عليه مجددا في 3 اجتماعات متعاقبة للجنة المتابعة العربية بما يشمل اجتماعها الأخير في الدوحة الذي عقد بعد ذهاب السلطة إلى الأمم المتحدة في 29 نوفمبر (طلبا للاعتراف بالدولة). لكن لغاية الآن لم يتم تفعيل شبكة الأمان. وحتى لو فعلت سنظل نواجه مشكلة وهي أننا لن نستطيع تسيير أمورنا بالحد الأدنى، فما بالك في غياب تفعيلها.
أعود إلى موضوع الرواتب.. في الإجمال العام فإن مجمل الرواتب إضافة إلى النفقات الأخرى بما يشمل قطاع غزة، يصل إلى نحو 300 مليون دولار شهريا.
* وكم هو نصيب غزة هذا المبلغ؟
- في حدود 130 مليون دولار تذهب إلى غزة وهناك مبلغ ينفق في ساحات الخارج وما يتبقى ينفق على الضفة. هذا هو الوضع وهو صعب جدا.. فمن دون تفعيل شبكة الأمان العربية ومن دون وصول المساعدات العربية الأخرى المقررة في قمم عربية سابقة، فإن ما يدخل ميزانيتنا من الإيرادات التي نجبيها نحن زائد المساعدة الأوروبية الشهرية، لا يتجاوز الـ50 مليون دولار أمام 300 مليون قيمة النفقات فكيف يمكن أن تدبر أمورك أمام هذا الواقع.
* في رأيك ما هو سبب هذا الموقف العربي وما هي العوائق التي تحول دون الالتزام بالوعود.. هل هو عقاب للسلطة على مواقفها السياسية؟
- خاصة فيما يتعلق بشبكة الأمان هناك قرار لا لبس فيه.. لذا فإن مثل هذا السؤال يوجه إلى الدول نفسها. لأنني بصراحة في حيرة من أمري. فتفعيل شبكة الأمان مرتبط بقرار إسرائيل باحتجاز الأموال.. فها هي إسرائيل قد فعلت ذلك فلماذا لا تفعلون قراركم. أنا بصراحة عاجز عن تفسير عدم تحرير هذا المبلغ.
* كم هو المبلغ الذي تحتجزه إسرائيل حتى الآن؟
- في عام 2012 الذي كان يفترض أن يسري فيه مفعول قرار شبكة الأمان، حجزت إسرائيل أموال الشهرين الماضيين.. كان لدينا بعد 29 نوفمبر (الماضي) تحويلا مستحقا من إسرائيل.. هذا التحويل لم يتم والأسوأ من السابق أن إسرائيل تصرفت بهذا المبلغ.. وهذا يعني أنه لو استأنفت التحويل فإن هذا المبلغ أنفق من طرف واحد دون إخطارنا بذلك، وذلك لتسديد ديون تجارية لا سيما شركة الكهرباء الإسرائيلية. ومع دخولنا شهر يناير لدينا مستحق آخر وهذا المبلغ محجوز.. وردا على سؤال عن سبب تفعيل شبكة الأمن، أقول بصراحة إنه يفترض أن يحال إلى العرب والقمة العربية.. وأنا أتساءل إذا كان مثل هذا القرار لا يفعل ردا على القرار الإسرائيلي فلماذا اتخذ أصلا. هذا جانب.. في الجانب الثاني، معروف لماذا احتجزت إسرائيل أموال السلطة هذه المرة.. وقرار القرصنة هذا متعلق بتحرك فلسطين للحصول على الاعتراف الدولي بها كدولة ورفع صفتها إلى دولة غير عضو في الأمم المتحدة الذي كان بإجماع عربي.. ماذا يعني الدعم العربي للتوجه الفلسطيني في الأمم المتحدة.. هل يعني التصويت فقط لصالح القرار كما هو حال أكثر من مائة من الدول الأخرى التي أعطت صوتها لفلسطين. إن الدعم العربي يعني أيضا الوقوف إلى جانب السلطة الفلسطينية في حال تعرضها للعقوبات على خلفية هذا القرار.
* من هو المسؤول عن تفعيل القرار.. القضية ضائعة.. هل هي الجامعة العربية ممثلة بأمينها العام أم الدولة رئيس المؤتمر...؟
- في مثل هذه الحال يجري إبلاغ الدول العربية عبر الجامعة العربية باعتبارها سكرتارية القمة.
* وهل قامت السلطة الفلسطينية بهذه الخطوة؟
- طبعا.. من الناحية الرسمية قامت السلطة فورا بالاتصال بالدول العربية وأعقب ذلك سلسلة اتصالات قام بها مشكورا أمين عام الجامعة (نبيل العربي) الذي زارنا مؤخرا كما تعلم. لكن لغاية الآن لم نتحصل على أي شيء. قيل لنا إن الجزائر حولت 26 مليون دولار.. لكن لا أعلم إن كان ذلك جزءا من شبكة الأمان أم جزءا من المساعدة المقررة بموجب قمة بيروت لعام 2002.
* أعتقد أن الجزائر كانت واضحة في هذا الشأن وهو اعتبار هذا المبلغ جزءا من المساعدات العربية وليس شبكة الأمان.
- نعم.. صحيح. إنها جزء من المساعدات المقررة عام 2012 التي لا يلتزم بتسديدها الكثير من الدول العربية. باختصار نقول بأعلى صوتنا إن الوضع مأساوي في فلسطين وله انعكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية في منتهى الخطورة.
* يعني أنكم اتصلتم في هذا الشأن.. فما كان الرد إذن؟
- قيل لنا إن قمة عربية اقتصادية ستعقد في الرياض في 21 يناير الجاري.. لكن يفترض تفعيل شبكة الأمان من دون القمة الاقتصادية.. لنفترض أنه ليس هناك قمة كيف سنتصرف.. إن المبلغ له علاقة بحياة ناس وكل يوم له تأثيره.. أرجو ألا يكون هناك إطلاقا شعور بأن لدينا إمكانية على الاستمرار بالأداء قائمة ولو بالحد الأدنى في غياب مثل هذه المساعدات.. هناك خلل كبير وإرباك لا بل أقول شلل في أداء السلطة. وأستطيع القول: إنه تحت أي ظرف نحن بحاجة ماسة للمساعدات ولا نستطيع الانتظار إلى حين انعقاد القمة العربية. أرجو ألا يكون هناك إطلاقا شعور بأن قدرتنا على الاستمرار قائمة في غياب وصول فوري للمساعدات. تحت أي ظرف نحن بحاجة ماسة للمساعدات ولا نستطيع الانتظار للقمة العربية خاصة فيما يتعلق بشبكة الأمان. هناك قرار لا لبس فيه.. لذا فإن مثل هذا السؤال يوجه إلى الدول نفسها. لأنني بصراحة في حيرة من أمري. فتفعيل شبكة الأمان مرتبط بقرار إسرائيل باحتجاز الأموال.. فها هي إسرائيل قد فعلت ذلك فلماذا لا تفعلون قراركم. أنا بصراحة عاجز عن التفسير.
* هناك من يقول: إن بعض الدول العربية رغم موقفها المعلن وتصويتها لصالح قرار دولة فلسطين في الأمم المتحدة فإنها غبر راضية لأن الولايات المتحدة غير راضية وبالتالي فهي تعاقب السلطة على خطوتها تلك.. ماذا تقول في ذلك وهل تعتقد أن هناك ضغوطا أميركية عليها؟
- من واقع متابعتي للموضوع لفترة طويلة من الزمن وليس فقط على خلفية التوجه إلى الأمم المتحدة.. الأمر الواضح بالطبع ولا جديد في ذلك أن الولايات المتحدة لها موقف معاد ولكن واضح أيضا لنا سواء من خلال لجنة المتابعة العربية والاتصالات الرسمية أن الدول العربية وبالإجماع تؤيد اتجاه السلطة في الأمم المتحدة..
* باعتقادك هل كان التأييد صادقا أم أن العرب كما يقول المثل مكره أخاك لا بطل؟
- الموقف الرسمي مؤيد لخطوة الأمم المتحدة. لكني أقول: إنني شخصيا محتار لماذا لا تحول هذه الأحوال ولا أستطيع التصديق أن الدول العربية تقبل بوضع نفسها في خانة من يعاقب السلطة والشعب الفلسطيني على خلفية ذهابه إلى الأمم المتحدة. افرض جدلا وأكرر جدلا لأني لا أقبل بهذه الفرضية ولا أعتقد أن الدول العربية لا تحول الأموال لأن الأميركيين لا يريدون منها تحويل هذه الأموال.. وافرض جدلا أن هناك انسجاما مع الموقف الأميركي فأنا مقتنع بأنه ليس هناك دولة عربية يمكن أن تعاقبنا لذهابنا إلى الأمم المتحدة. لا يمكن أن أقبل بذلك حتى من باب الافتراض الجدلي أن أضع أي دولة عربية في مصاف إسرائيل والولايات المتحدة. أنا شخصيا لا أقبل بذلك. هذا جانب، من الجانب الآخر أقول بصراحة إنه رغم وجود موقف رسمي أميركي معاد لذهابنا للأمم المتحدة فإن واشنطن لم تحرمنا، أذكر على سبيل المثال لا الحصر أن الكونغرس الأميركي وعلى وجه الخصوص لجنة العلاقات الخارجية برئاسة آليانا روس لتينن التي لها موقف مناوئ، جمد في عام 2012 المساعدات المخصصة للسلطة من ميزانية 2011، لكن في شهر أبريل (نيسان) وبما يشكل سابقة وفي سنة انتخابية، قررت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وفي ظل إمعان لجنة العلاقات الخارجية وإصرارها على رفضها، إرسال المساعدة رغم موقفهم المعارض لتوجهها للأمم المتحدة. إذن ورغم الصعوبات التي كانت تمر بها علاقتنا مع الإدارة الأميركية فإنها كانت تحاول وبشكل جدي مع الكونغرس، الإفراج عن أموال المساعدات. باختصار ليس لدي جواب لماذا لا يتم تفعيل شبكة الأمان وآمل ألا يبقى الموضع مفتوحا أمام الافتراضات وحسم الموضوع لوضع حد للأقاويل.
* لننس شبكة الأمان المالي ونعود إلى المساعدات، أعتقد كان قدر المساعدات التي يفترض أن تقدم للسلطة بموجب قرار قمة بيروت لعام 2002، 600 مليون دولار سنويا.. من هي الدول التي تدفع ومن هي الدول التي لا تسدد حصتها؟
- حتى نكون أكثر دقة فإن المبلغ الذي أقر كان 55 مليون دولار شهريا. ولكن لم يحدث أن تلقت السلطة هذا المبلغ بالكامل. أعيد وأكرر أننا في وضع تجاوزنا فيه الأزمة.. الأزمة تكون عندما يكون لديك بعض الصعوبات، نحن أصبحنا في وضع ما بعد الأزمة لقد وصلنا إلى حد الإفلاس. نحن نعيش حالة من البؤس في كل المجالات الصحة والتعليم وغيرهما. أصبح العاملون والموظفون عاجزين عن الوصول إلى أماكن عملهم لعدم وجود المال الكافي لإيصالهم إلى أماكن عملهم. أضف إلى ذلك فإنني كرئيس للوزراء لا أستطيع أن أخرج للناس وأقول بصراحة ليس لدي حل فهذا يعني تيئيسا لهم. وفي ظل الأوضاع والمصاعب الأخرى التي تعيشها السلطة أخشى أن يصل الأمر إلى حالة التحلل. في نفس الوقت نريد أن نبقي الأمل قائما وأنا على قناعة بأن الشعوب العربية ستنظر في النهاية للشعب الفلسطيني. وقناعتي هذه لا تأتي من فراغ فلدينا في الموقف العربي الموحد (خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول) في السبعينات خير مثال. مثال آخر كان بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، فبعد اندلاعها بنحو عشرة أيام دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز (كان في حينها وليا للعهد) إلى قمة عربية عقدت في القاهرة في أكتوبر من نفس العام، ووضع على الطاولة 250 مليون دولار هذا يبقي عندي الأمل قائما.
* وفي السياق المالي، أيضا كثرت الأصوات الفلسطينية المطالبة بمراجعة اتفاقية باريس الاقتصادية لا بل إن البعض طالب بإلغائها.. أين أنت من هؤلاء؟
- لا يطرح موضوع اتفاقية باريس بهذه السهولة ولا يحل بخطاب أو إطلاق شعار. فهذه الاتفاقية يجب ألا ينظر إليه بمعزل عن السياق العام الذي يحكم الحالة الفلسطينية الآن التي يعتبر الاحتلال العنصر الأبرز فيها. الموضوع بحد ذاته ليس موضوع اتفاق.
* هل تعتبره اتفاقا ظالما؟
- لا أستطيع الحديث عن اتفاق باريس بمعزل عن الاحتلال والاحتلال بالتعريف هو ظالم، قائم على نظام محكم من التعسف والسيطرة. والاتفاق هو جزء من منظومة الاحتلال. فما معنى القول: إنني أريد إنهاء الحالة بإلغاء اتفاق باريس.. يتسم هذا الطرح بنوع من السذاجة لأنه لا يأخذ بالاعتبار بأنه ليس لدينا سيطرة على شيء لا المعابر ولا الحدود.. بضائع تدخل ولا علاقة لنا بها وكأننا غير موجودين. بعبارة أخرى فإن الاحتلال هو المسؤول عن كل شيء فهو الذي يجبي الأموال الجمركية وبالتالي أنت مضطر إلى إقامة نوع من العلاقة معه. الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني لها علاقة بارتباط هذا الاقتصاد بالاقتصاد الإسرائيلي وهذه ليس سببها اتفاق باريس لأن هذا الاتفاق كرس وضعا قائما قبل قيام السلطة الفلسطينية. طبعا نحن نتطلع لأن يكون لدينا اقتصاد مستقل في دولة مستقلة نتحكم فيها بالمعابر والحدود.. هذا غير موجود في الوقت الحاضر.. لا يعني أن أقبل بالاتفاق ولا أقول: إنه اتفاق غير مجحف وظالم. ولكن عندما أقول: إنني أريد حل الأزمة بإلغاء اتفاق باريس فإنني لن افعل شيئا. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن اتفاق باريس يشمل فيما يشمل التحويل الشهري المنتظم للأموال الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل ولكن في نفس الوقت ليس في اتفاق باريس بند يعطي الحق لإسرائيل بحجز هذه الأموال. غير أنه ورغم أن اتفاق باريس يحوي بنودا كثيرة غير مرضية ولو كان بالإمكان إعادة التفاوض بشأنها لما ترددت، يظل أسوأ ما في الوضع القائم هو الطريقة التي تطبق فيها إسرائيل الاتفاق.. فالاتفاق لا يسمح لها بحجز الأموال ولكنها تحجزها والاتفاق يدعو لمرور البضائع الفلسطينية إلى إسرائيل ولكنها لا تسمح بذلك، وليس من حق إسرائيل منع الحركة الفلسطينية ولكنها تمنعها. والاتفاق يعطينا الحق في التطوير في مناطقنا ولكن إسرائيل تمنعنا. الاستسهال ضار، ومحاولة حل المشاكل بالشعارات الطنانة ضار لأنه يحجب الأنظار عن الأمور التي يجب أن تتركز عليها الأنظار مثل الظروف المعيشية للشعب الفلسطينية بسبب الاحتلال نفسه وليس بسبب اتفاق باريس. وبالتالي لنركز على الموضوع الأهم وهو الاحتلال، نفسه.
* لننتقل إلى موضوع آخر وهو التصويت لفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة.. هل سيكون له نتائج إيجابية على الأرض أم أنه مجرد فوز معنوي لا أكثر؟
- لا أقلل من شأن هذه الخطوة كانتصار معنوي وكإنجاز ينطوي على قوة رمزية كبيرة لا بل كبيرة جدا. يتصل بذلك من الناحية المعنوية، وقوف أكثر من ثلثي الأعضاء في الأمم المتحدة إلى جانب الشعب الفلسطيني الأمر الذي يحمل في ثناياه أن العالم أغلبيته ضاقت ذرعا بالاحتلال وبعقم العملية السياسية التي هدفت إلى إنهاء الاحتلال. وحتى الدول التي امتنعت عن التصويت تلمس في مواقف الكثير منها، في ضوء المواقف السابقة، نوعا من التعبير عن المعارض (لموقف إسرائيل).
* هل يمكن القول: إن هذا التصويت كان ميلادا حقيقيا لدولة فلسطين أو بمثابة شهادة ميلاد؟
- (مقاطعا) خليني (دعني) أكمل النواحي الإيجابية.. إضافة إلى ذلك هناك منفعة ملموسة تضع بين أيدينا أدوات لم تكن متاحة لنا في الماضي بما في ذلك الحراك على صعيد المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة والمعاهدات والاتفاقات إلى آخره. النقطة الأخيرة في هذا المجال أن جزءا كبيرا من إنجازاتها هو أن تراكم إنجاز على إنجاز نستفيد منها فيما يساهم في جعل الدولة الفلسطينية واقعا بشكل متدرج لا يمكن تجاهله.
* هل يمكن القول: إن هذا التصويت سيحفظ الحق الفلسطيني في دولة في حدود 1967؟
- وهذا ما نتحدث عنه وهو حفظ الحق الفلسطيني في إقامة دولة في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
* هل سيردع هذا القرار إسرائيل عن الإقدام على إجراءات تشكل انتهاكا للقانون الدولي؟
- بكل تأكيد. فهذا القرار سيضع أمامنا عددا من الخيارات التي تمكننا من ردع إسرائيل ووقف عدوانها.
* هل تقصد بذلك محكمة الجنايات الدولية؟
- هذا على سبيل المثال.
* والشيء بالشيء يذكر فقد قررت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأنت عضو فيها يوم الخميس بحث سبل الانضمام إلى المنظمات الدولية.
- للتصحيح فقط أنا عضو مراقب في اللجنة التنفيذية كرئيس للوزراء. ما جرى أمس أن اللجنة التنفيذية بحثت تقريرا أعدته لجنة مختصة في ها الشأن.
* هل لا تزال متفائلا إزاء قيام الدولة كما كان الحال في عام 2009 عندما أطلقت تصريحك الشهير أن الفلسطينيين سيكونون جاهزين في غضون عامين، الأمر الذي أعطى الانطباع أن الدولة الفلسطينية ستقوم في أواخر أغسطس (آب) 2011؟
- إن كنت فلسطينيا فواجب عليك أن تكون متفائلا. هذا أولا. ثانيا وللتذكير فقط أن ما تحدثنا عنه في أواخر عام 2009 عندما قلنا إن السلطة ستكون في غضون عامين جاهزة لقيام الدولة فقد قصدنا من ضمن ما قصدناه في ذاك الوقت أن نضع ضغطا متزايدا ومتعاظما على المجتمع الدولي، مترافقا مع تنفيذ هذا البرنامج فيما جعل من عام 2011 كما كان واضحا، عاما خاصا في الوعي الدولي. المرجع ليس 2012 بل 2011 وعلى خلفية هذا البرنامج والنجاح في تنفيذه الذي أوصلنا في ربيع عام 2011 أي قبل مرور العامين على تنفيذ البرنامج، إلى نقطة أجمع فيها العالم على جاهزية السلطة الوطنية بأداء مؤسساتها لقيام دولة فلسطين. اعتبرت في حينها أننا نجحنا في تحقيق هذا البرنامج وبالتالي هناك سبب للتفاؤل لأننا حققنا هدفنا معلنا لنا، في أقل من المدة الزمنية المعلنة. حينئذ استخدمت التعبير في مؤتمر في العاصمة البلجيكية بروكسل، أن المجتمع أصدر اليوم شهادة ميلاد لواقع دولة فلسطين قالها باللغة الإنجليزية (for the reality of the statehood of Palestine). وأما شهادة قيام دولة فلسطين فإنها ستصدر بكل تأكيد عن محفل دولي آخر وهو الأمم المتحدة عندما نحصل على الاستقلال الكامل ونحن لم نحصل بعد لا على استقلال كامل ولا غير كامل. وما حصل في 29 نوفمبر لا يشكل نهاية المطاف لنا، نحن نسعى للوصول إلى هذه النقطة، إنما بالقياس إلى الهدف المعلن فقد حققناه في الجاهزية ولكن بشكل متدرج.. وهذا وضع العالم في وضع محرج دفعه للحديث عما يمكن فعله في عام 2011.. وفي حيثيات قرار الاعتراف بدولة فلسطين من أول القرار وحتى آخره، هناك إشادة فيما حققته السلطة الوطنية في تحقيق الجاهزية لإقامة الدولة. واستند القرار في الأساس إلى هذا النجاح وهو النجاح في تحقيق الجاهزية.
في الأسابيع الأخيرة تحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلي عن تقرير لوزارة الخارجية الإسرائيلية حول عزم الاتحاد الأوروبي إلى فرض حل في عام 2013 يرتكز على إقامة الدولة الفلسطينية.. هل تعتقد أن الأوروبيين يمكن أن يقدموا على مثل هذه الخطوة بمعزل عن واشنطن أم أن الأمر مجرد ضربة وقائية من جانب إسرائيل لقطع الطرق على أي تحركات أوروبية؟
- لا أعتقد حسب معلوماتي أن الأوروبيين يمكن أن يفرضوا حلا. وأعتقد أن ما صدر عن جهات إسرائيلية في هذا الشأن مجرد تهويل، ربما لحمى التنافس الانتخابي في إسرائيل علاقة في هذا الموضوع. فأوروبا حتى لو أرادت فإنه