يروي فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» وقائع عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن خلال هجوم شنته وحدة من القوات الخاصة الأميركية على مقر اختباء أسامة بن لادن في أبوت أباد الواقعة على بعد 120 كيلومترا عن مدينة إسلام أباد بباكستان في الثاني من شهر أيار في العام 2011، وما سبق عملية الاغتيال من بحث ومطاردة وتخطيط لتلك العملية على مدى عشر سنوات بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في مدينة نيويورك.
والشخصية المحورية في قصة وأحداث الفيلم هي المحللة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية مايا (الممثلة جيسيكا تشاستين) التي لعبت دورا حاسما في عملية تعقب تحركات أسامة بن لادن وتنفيذ عملية اقتحام مقر اختبائه والاشتباك مع حراسه وقتله. ويسلط الفيلم الضوء على ما تمر به هذه المحللة الخبيرة من نجاح وفشل وتقلبات وتعقيدات بيروقراطية. وتشتمل أحداث الفيلم على عدة مشاهد مروعة ومثيرة للجدل تصور وسائل التعذيب التي لجأ إليها المحققون الأميركيون لانتزاع معلومات من معتقلين أملا في أن تقودهم إلى موقع مخبأ بن لادن.
فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» هو الفيلم الروائي الطويل التاسع للمخرجة كاثرين بيجيلو والمنتجة المشاركة للفيلم، وأول فيلم تخرجه منذ إخراج الفيلم المتميز «خزانة الأذى» (2009) الذي فاز بخمس وتسعين جائزة سينمائية شملت ستا من جوائز الأوسكار، بينها جوائز أفضل فيلم ومخرجة وسيناريو. وأصبحت كاثرين بيجيلو بفضل فيلم «خزانة الأذى» أول امرأة تفوز بجائزة الأوسكار لأفضل مخرج على مدى 82 عاما من تاريخ هذه الجوائز.
يستند فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» إلى سيناريو للكاتب السينمائي مارك بول الذي كتب السيناريو لفيلم «خزانة الأذى» أيضا وفاز عنه بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو. وكانت المخرجة كاثرين بيجيلو وكاتب السيناريو مارك بول قد تعاونا في إعداد سيناريو لهذا الفيلم قبل اكتشاف موقع اختباء أسامة بن لادن واغتياله، وركزت أحداث السيناريو الأصلي على معركة تورا بورا التي وقعت في شهر كانون الأول 2001، حيث كان يعتقد أن بن لادن كان مختبئا. وكان هذان الفنانان على وشك بدء تصوير مشاهد الفيلم، بعد اتخاذ ترتيبات الإنتاج اللازمة، استنادا إلى هذا السيناريو، إلا أن كل شيء تغير حين أعلن فجأة عن مقتل بن لادن. وقاما على الفور بوقف العمل في المشروع الأصلي للفيلم وحوّلا اهتمامهما كليا نحو قصة سينمائية جديدة استجابة لما فرضته الأحداث، وبدءا من الصفر.
ومما قاله كاتب السيناريو مارك بول في مقابلة صحفية إن جهوده السابقة في كتابة السيناريو الأصلي لم تضع سدى، حيث أنه استفاد من الأبحاث المتعلقة بكتابة السيناريو الأول والاتصالات المتواصلة التي أجراها بهذا الصدد. وأضاف أن السنوات العديدة التي قضاها في التحدث مع الخبراء العسكريين والاستخباراتيين الأميركيين المتخصصين بمحاربة الإرهاب كانت مفيدة للغاية في كتابة كل من السيناريو الأول والثاني.
ويستمد فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» عنوانه من الساعة المقررة لشن الهجوم على بن لادن، أي بعد منتصف الليل بثلاثين دقيقة. ويستمد هذا التعبير من مصطلح عسكري للإشارة إلى عدم تحديد موعد بدقة خلال ساعات الظلام في الخارج في ساعات الليل المتأخرة أو قبل الفجر. وتضيف المخرجة كاثرين بيجيلو إلى ذلك أن هذا التعبير يشير أيضا إلى الظلام والسرية التي أحاطت بعملية مطاردة بن لادن على مدى عشر سنوات وبتنفيذ الهجوم لاغتياله.
يشتمل فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» على العديد من المقومات الفنية المتميزة، بما في ذلك براعة الإخراج على يد المخرجة القديرة كاثرين بيجيلو التي نجحت بالتعاون مع كاتب السيناريو مارك بول بتقديم عمل متميز يجمع بين أفلام الحركة والمغامرات والأفلام الدرامية والتاريخية وأفلام التشويق. وبلغت هذه المخرجة من الحرفية في تقديم التفاصيل ومراعاة الدقة والتوثيق والتجرد في إصدار الأحكام بحيث يقدم فيلمها نموذجا لأفلام الدراما التسجيلية. وقد ساعد في تحقيق هذه المهمة استناد سيناريو الفيلم إلى شخصيات وأحداث حقيقية نتيجة الحصول بشكل غير مسبوق على وثائق من وكالة المخابرات المركزية الأميركية تتعلق بقضية أسامة بن لادن. ويقدم الفيلم نموذجا للتحقيقات الاستقصائية السينمائية الواقعية المدعمة بتوثيق الحقائق. كما يتميز الفيلم بقوة أداء ممثليه، وفي مقدمتهم الممثلة جيسيكا تشاستين التي تنعكس قوة أدائها في الفيلم في العدد المتزايد للجوائز السينمائية التي فازت بها أو رشحت لها عن هذا الدور.
يشار إلى أن هذا الفيلم أثار موجة من الجدل السياسي حتى قبل أن يبدأ تصوير مشاهده، حيث اتهم زعماء في الحزب الجمهوري الأميركي المعارض حكومة الرئيس باراك أوباما بأنها مكّنت المخرجة كاثرين بيجيلو وفريقها السينمائي من الاطلاع على معلومات ووثائق سرية.
فاز فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» منذ بدء موسم الجوائز السينمائية الأميركية بأربع عشرة جائزة سينمائية من روابط نقاد السينما في نيويورك ولوس أنجيليس وواشنطن وبوسطن ولاس فيجاس، شملت أربعا من جوائز أفضل فيلم وأربعا من جوائز أفضل مخرجة للمخرجة كاثرين بيجيلو وجائزتين لأفضل ممثلة في دور رئيس للممثلة جيسيكا تشاستين وثلاثا لأفضل مونتاج وجائزة لأفضل مصور. ورشح الفيلم لأربع من جوائز الكرات الذهبية لأفضل فيلم ومخرجة وممثلة في دور رئيس وسيناريو.
يشار إلى أن هذا الفيلم عرض في عدد محدود من دور السينما في مدينة لوس أنجيليس قبل نهاية العام لكي يؤهل لدخول منافسة جوائز الأوسكار للعام 2012. وسوف يعرض الفيلم على نطاق واسع في دور السينما في الولايات المتحدة وفي 23 دولة أخرى حول العالم خلال الشهرين الأولين للعام 2013. وصورت مشاهد فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» في الأردن والهند، وهو ثاني فيلم للمخرجة كاثرين بيجيلو تصور بعض مشاهده في الأردن، حيث تم تصوير معظم مشاهد فيلمها السابق «خزانة الأذى» في الأردن، بالتعاون مع الهيئة الملكية للأفلام. وبلغت تكاليف إنتاج فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل» 20 مليون دولار.
