عروس القدس الإستشهادية " وفاء إدريس " تلقن الصهاينة درساً لن ينساه أبد الدهر

خاص الإعلام العسكري ،،،

بسم الله الرحمن الرحيم

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا  

لبست حزامها الناسف، وأرادت أن تعيد لنا صفحة من صفحات الفدائيات، فودعت القريب والبعيد، وخطبت على منبر الحياة، خطبةٌ لا دموع فيها ولا خوف، ولا تلعثم في سطورها ولا تردد، عازمة على الشهادة، ومشتاقة إلى جنة ربها، قادمة بقوة، وبدأت الدنيا كلها تنظر إليها، العالم كله يترقب أمرها، هدوء ملأ الكون، والليل اختنق، النهار يفرك عينيه، والشمس خجلت، التاريخ وقف أمامها، يتأمل مشيها، يحفظ درسها، ينقل تاريخها، يسطر أفعالها  يروي أمرها ويلقي كلماتها تسمع تكبيرا من بعيد، وعجوزا جاوزت الثمانين تتمتم بالدعاء لها، وطفلا يجري خلفها وهو يبكي ويصيح، يقول “وفاء وفاء وفاء ينصر دينك”.

يصادف اليوم الثامن والعشرون من شهر يناير الذكرى السنوية لإستشهاد " وفاء على خليل إدريس " إبنة كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكرى لحركة التحرير الوطنى الفلسطينى " فتح "ومنفذة العملية البطولية الإستشهادية الفدائية فى شارع يافا بمدينة القدس المحتلة بتاريخ 28.1.2002م ،وهى أولى إستشهادية من الإناث تقوم بهذا العمل البطولى فى إنتفاضة الأقصى.

في مثل هذا اليوم كتبت وفاء إدريس بدمها العذري كلمات من الشرف  في كتاب العزة والإباء في تاريخ حركة فتح الثورة، فتح التي كانت قائدة النضال الفلسطيني في الماضي والحاضر والمستقبل لتثبت للقاصي والداني أن حركة فتح كانت وستبقى مناضلة وستبقى البندقية خيارها مهما حاولو التآمر عليها.

في مثل هذا اليوم مسحت وفاء إدريس بدمها الشريف الغبار عن درب للبطولة والنضال والفدائية الذي دشنته دلال المغربي بعمليتها التي أغاضت قادة الكيان الصهيوني وداست على باراك وجيشه المقهور، سارت وفاء تقودها مقولة على حائط غرفتها الخاص كتب فيها " إن دلال المغربي أقامت الجمهورية الفلسطينية ورفعت العلم الفلسطيني، ليس المهم كم عمر هذه الجمهورية، المهم أن العلم الفلسطيني ارتفع في عمق الأرض المحتلة ".

الميلاد والنشأة

ولدت وفاء ادريس الشابة الجميلة الرائعة بتاريخ 11.2.1973م،بلدتها الأصلية مدينة الرمله المحتلة عام 1948 عاشت هي وعائلتها حياة التشرد والنزوح واستقروا في مخيم الامعري على اكناف بيت المقدس احبت فلسطين وكانت الشهيدة الأولى التي تشارك بالعمليات الاستشهادية لتكون في المقدمة كل شعبنا يفتخر ببطولتها وتضحياتها.

وحيدة أهلها

إمرأة فلسطينية هاجر أهلها من مدينة الرملة التي احتلها الاحتلال الصهيوني عام 1948م واستقر بهم المطاف في مخيم الأمعري بالقرب من رام الله ،وفاء إدريس 27 عام عاشت في بيت متواضع من الطوب ومصفح بألواح الإسبست، عاشت ظروفا اجتماعية صعبة، فهي الابنة الوحيدة لوالدتها ولها ثلاثة أشقاء هم خليل وخالد وسلطان.

إعتقال أشقائها

أمضى شقيقها خليل ثماني سنوات في سجون الاحتلال، فاضطر شقيقه خالد إلى ترك الدراسة من الصف الثامن لإعالة أسرته الفقيرة، لأن والدهم متوفى ولقد دفع الفقراء أيضا شقيقها الآخر وهو الأصغر سلطان إلى الانضمام إلى شقيقه خالد في العمل من أجل إعالة الأسرة ،ولم يترك الاحتلال هذه الأسرة في حالها فقام رجال المخابرات باعتقال خليل مرة أخرى بسبب ارتباطه بنشاطات المقاومة ضد الاحتلال.

العمل تطوعاً فى جمعية الهلال الأحمر

التحقت وفاء بدورة طبية وأصبحت تعمل في جمعية الهلال الأحمروتطوعت في الانتفاضة لعلاج الجرحى المصابين، عشرات الشهداء شاهدتهم وفاء عن قرب وهي لا تملك سوى البكاء المكبوت والدعاء لهم بالمغفرة والقبول عند الله.

كانت تحب الدوام يوم الجمعة؛ لأن هذا اليوم تجري فيه مظاهرات واشتباكات بعد صلاة الجمعة.. فيسقط جرحى وشهداء وتحرص أن تكون على رأس عملها حتى تعالج الجرحى والمصابين. شقيقها خليل، شعر أن ساعة الحسم بالنسبة لوفاء قد اقتربت حيث قامت بتوديع أمها وأشقائها وقالت لهم الوضع صعب وربما يستشهد الإنسان في أية لحظة !!

هادئة جداً

أهالي مخيم الأمعرى يفتخرون أن تكون الاستشهادية جارتهم أم محمد أحد جيرانها " لم يتوقع أحد منا أن تكون وفاء هي من نفذ العملية، فهي هادئة جدا، ولم يعرف عنها من قبل أن شاركت في فعاليات الانتفاضة، ومع ذلك فنحن نفخر بها ونعتز أن تكون ابنة مخيمنا هي من لقن الصهاينة درسا لن ينسوه.
وتضيف “بعد أن وصلنا خبر من مصادر موثوقة أن وفاء هي من نفذت العملية الاستشهادية، أراد بعض الناس أن يذهبوا على الفور إلى منزلها وإخبار أهلها بذلك، فرفضنا ذلك وانتظرنا حتى تأكد النبأ وحتى تلك اللحظة لم تكن أسرتها تعلم شيء عن الموضوع .

وتضيف “أنا أسكن بالقرب من بيت الاستشهادية، وأهلها يعرفونني تمام المعرفة، ومع هذا طلبنا من أحد أقاربهم أن يذهب لبيتهم لكي يجس نبضهم ويخبرهم بالموضوع بشكل تدريجي.

عرس الشهادة 

كيف كان شكلها والحزام الناسف يزين خصرها، بالتأكيد كانت تسير بخطوات واثقة، يا الله، وفاء بقي على هدفها دقائق، فكم من حاجز قد عبرت، وكم من تفتيش قد أعمى الله عليهم، فعبرت الصعاب، وتجاوزت المصاعب، ونسفت النكبات.

وفاء تسير، خطوة، خطوة، خطواتها الأخيرة على هذه الأرض قد اقتربت، أنفاس الدنيا أصبحت تضيق أمام ناظريها، تركت الدنيا لأهلها، فأرادت أن تذهب إلى وطنها الحقيقي، وقفت وفاء وصيدها أمام عينيها، تنظر إليه وهي في فرحة كبيرة، وسعادة غامرة، وبسالت شديدة. 

فجرت البطلة الشريفة الحرة " وفاء إدريس " جسدها الطاهر بمجموعة من الصهاينة في شارع يافا بالقدس المحتلة لتقتل جندى صهيونى وتصيب 90 أخرين بجروح مابين متوسطة وخطيرة، هذا الشارع المثقل بالتاريخ والذكريات، لتقول للجميع أن شعبها الذي هجر من أرضه، وأن أهلها الذين هجروا من  مدينة الرملة لم ولن ينسوا مدنهم وقراهم، وأن مخيمات اللجوء ولو كانت قصورا فلن تنسيهم حقهم في أرضهم ولن تمسح الأمل من صدورهم في العودة يوما ما إلى هذه الأرض التي تحن لأهلها.

فأننا اليوم فى " كتائب شهداء الأقصى "- فلسطين لواء الشهيد القائد " نضال العامودي"،ننحني إجلالاً وإكباراً لروح ماجدة فلسطين ، " وفاء إدريس"، التي قدمت في مثل هذا اليوم من العام 2002م، نموذجاً حياً لما تعيشه المرأة الفلسطينية وسطرت بدمائها الذكية أروع ملاحم التضحية والفداء ، في زمن الخنوع  والركوع العربي الذي أصبحت المرأة الفلسطينية فيه تدافع عن كرامة الأمة المهزومة.