يوميات معركة مخيم جنين – اليوم الثاني عشر

يوميات معركة مخيم جنين – اليوم الثاني عشر

يوميات معركة مخيم جنين – اليوم الثاني عشر

الإعلام العسكري ,,,

 إما نستشهد بالبدلة العسكرية, وإما ننتصر. لا أريد نقاش.”  كانت هذه الكلمات التي قالها أبو جندل لمرافقة عمر عطياني، من القوة التنفيذية في الأمن الوطني، وهما يتنقلان من بيت إلى بيت، وكذلك، وهما تحت الركام والهدم في يوم الجمعة، اليوم الثاني عشر للمعركة (12/4/2002). كان ذلك في حارة الحواشين، بالقرب من بيت الرخ، ثم دخلوا إلى  منزل أبو زينة بحثاً عن مكان “آمن.”
ثم استقر بهم المقام في بيت أبو الفوز, إذ جلسوا في المطبخ، وأعد أبو جندل الفراش، وناموا في المطبخ.
وكان أبو جندل يقوم بتغيير الغرفة باستمرار حسب تحرك جرافات الاحتلال  وتقدم الجنود الصهاينة, وفي الساعات الأولى من تلك الليلة، ساد الهدوء التام إلا من صوت جرَّافة أو دبابة.

بعد ذلك، استقر أبو جندل ومرافقه في خزانة بالحائط معدة لطوي الفراش الذي قام بإنزاله كله، ثم جلسا أحدهما مقابل الآخر, وأحضر مرافقه عمر بعض ما توفر من الطعام والكعك والماء والعلكة…
لكن أبو جندل لم يتناول أي شيء, ثم غيروا مكانهم إلى خزانة أخرى مشابهة في غرفة أخرى, ليستقر بهم الحال في غرفة صغيرة تحت بيت درج مليئة بأغراض البيت, وذلك حتى إذا هدم البيت لا يتأثر بيت الدرج لأنه مائل، ولا يتأثر المقاومان بالتالي. جلسا على فرشتين، ونام عمر، لكن أبو جندل لم ينم تلك الليلة، وأيقظ عمر الساعة الخامسة والنصف فجراً، وقال له إن الجرافة والدبابة الصهيونيتين قد انسحبتا من قرب المنزل. عندها قرر أبو جندل تغيير المكان والذهاب إلى بيت مهدوم بالكامل حتى لا يشك جيش الاحتلال  بوجود مقاومين فيه.
صليا الفجر، وبدأ عمر بقراءة القرآن، ثم وضع المصحف على الشباك استعداد للانتقال إلى غرفة ثانية، وسار أبو جندل في المقدمة أمام مرافقه، وبدأ يتحرك بهدوء تام, و فجأة سمع عمر صوت رصاصتين، وصراخ يقول له: “أشرد… أشرد.” فانسحب عمر إلى الخلف، ولكنه سمع صوت “شخير” وعلم أن أبو جندل قد أصيب، ورأى أبو جندل ممدداً على وجهه، ويده اليمنى أمامه.

عاد عمر لإنقاذه ووقف فوق رأسه ونادى عليه، ولكن أبو جندل لم ينطق بكلمة، وأطلقت رصاصة أخرى أصابته في طرف صدره، وكان في المكان دخان شديد ينبعث من الدبابات, وبدأ جنود الاحتلال  الكلام بالعبرية, ومن ثم طلبوا من عمر خلع ملابسه وهو ما زال بالقرب من أبو جندل.

ثم تقدم نحوه الجنود حيث كان هناك قناص بالقرب من بيت أبو خرج في الجهة المقابلة من الشارع, ورأى عمر تقدم قوات كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني.
وقد أراد أحد الجنود تصفية عمر حيث جلس جلسة قنص وقام بتلقيم سلاحه الـ إم-16، واستعد لإطلاق النار. ولكن قدوم مجنزرة من بعيد أنقذ عمر, حيث نزل ضابط طويل القامة برتبة عالية، وصرخ في الجندي, فأوقفه. ثم سأل الضابط الكبير عمر مَن صديقه الذي قتل؟ فقال له لا أعرف, اسمه “أبو محمد” حتى يتهرب من قول إنه كان أبو جندل. وبالمناسبة، وللمفارقة، فإن أبو محمد هو الاسم الحقيقي لأبو جندل. ثم سأله: هل يوجد معك سلاح؟ فأجاب عمر: تركته في الخلف. وسأله عن سلاح رفيقه، فقال عمر: سلاحه معه!

عند ذلك، قام الضابط بإطلاق باغة ونصف حول جثمان أبو جندل للتأكد أنه حي أم ميت, ولو كان حياً فإنه سيتحرك بردة فعل لا إرادية من صوت الرصاص. ثم طلب الضابط من عمر إحضار سلاحه وسلاح رفيقه والجنود يصوبون أسلحتهم نحوه, وذهب وأحضر الكلاشن الخاص به، وكلاشن أبو جندل. فقام الضابط بسحب الباغة وإطلاق الحبة التي في بيت النار في الهواء.
ومن ثم طلب الضابط من عمر انتزاع جعبة أبو جندل, وعند قلب جثمان أبو جندل على ظهره، أدرك عمر أن أبو جندل مصاب بالرأس، وهناك بفقاعات بيضاء تخرج من الرأس.
هنا، أدرك عمر أن أبو جندل استشهد. هنا، ثم أخرج الضابط بلفون أبو جندل، وبطاريات بلفون, والوصية المكتوبة التي أوصى بها كما قال رفيقه عمر “الاستمرار في المقاومة وعدم إغفال أسرته والعناية بأبنائه.”

بعد ذلك، أخرج الضابط كاميرا، وقام وطلب من عمر الجلوس عند رأس أبو جندل، ثم صوره ست صور، وقام بإرسالها إلى جهة لا يعلمها عمر، وعلى ما يبدو إلى المخابرات الصهيونية.
ومن ثم جاءه اتصال يبدو أنه أخبره بأن القتيل هو أبو جندل، حيث بدت على الضابط علامات الراحة. حينها، ثم طلب الضابط من الجنود سحب أبو جندل  ووضعه في وضعية يتأكدون فيها من استشهاده, وهي الوضعية التي وجد فيها أبو جندل شهيداً على الركام.
بعد ذلك، اقتيد عمر في المجنزرة، وتم نقله إلى بيت خمايسة, وتم طلب سيارة إسعاف، وقام أحد الجنود بمسك إصابة عمر بيديه وعصرها بقوة، ثم نُقل إلى معسكر سالم بباص، ووضع على أرضية الباص. وبعد وصوله إلى سالم تم نقله إلى مستشفى للعلاج بعد يوم طويل من الإرهاق والتعب والنزف، وقام الجنود بأخذ صور جديدة معه!
أما أبو جندل، فلم يعلم أحد حتى اللحظة أين أرسلت صورته التي التقطها الضابط الصهيوني.
ولم يعلم أحد حتى اللحظة أين يُحْتَفَظُ بوصيته الحربية.
ولم يعلم أحد حتى اللحظة سرعة وصوله إلى الجنة ولا مكانه فيها…
لكن الجميع يعلمون أن صوته وصورته سيبقيان للأبد دليلاً للحرية، وشاهداً على أن النصر، وإن على أعتى قوى الظلم، ممكن.

انتهى

  • يوميات معركة مخيم جنين – اليوم الثاني عشر
انشر عبر
  • على الحدود خلف السدود
  • ما بتهزمنا حشود العادي
  • فجر ثورة غضبك
  • خالد بشير