الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات ,,, يوميات معركة مخيم جنين

الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات ,,, يوميات معركة مخيم جنين

الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات ,,, يوميات معركة مخيم جنين

الإعلام العسكري ,,,

 

يوميات معركة مخيم جنين.. اليوم الأخير (الخميس) 11/4/2002: الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات

هذه تفاصيل الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات بعد استنفاد الخيارات، التفاصيل التي لا يعرفها إلا من قاد تفاصيلها بنفسه. ففي حوالي الساعة التاسعة والنصف مساءً قمت بالاتصال من خلال الميرس بغسان السعدي, وهو مقاوم نشيط كان يساعد المقاومين في توفير الطعام لهم, ونقل الجرحى مع سيارات الإسعاف حين تتوفر، وكان يلبس لباس طواقم الإسعاف.
وما أن سمع صوتي حتى أصيب بالذهول، ولم يصدق ذلك إذ إنه كان يعتقد كالآخرين بأن المخيم لم يبق فيه أحد حياً, وسألني عن الوضع وكيف الحال، وقال: “أنا موجود بمستشفى جنين الحكومي، مستشفى الدكتور خليل سليمان، وبجانبي الحاج عماد قاسم الذي بترت يده أثناء المعركة في اليوم السابع، وخرج بأعجوبة وهو فاقد الوعي، ونقل بسيارة في اليوم التاسع لتلقي العلاج.
وبعد ذلك، بدأت الاتصالات تنهمر علينا من كل مكان, وبطارية النقال لا تسمح بذلك, إذ كنا نريد استخدام الاتصال الخلوي للأمور الحساسة فقط.
فقد تحدث إليَّ الأخ هشام الرخ ووضعته في صورة الوضع؛ واتصل الأخ المرحوم اللواء أمين الهندي مدير جهاز المخابرات العامة؛ واتصل أيضاً اللواء جبريل الرجوب مدير جهاز الأمن الوقائي، في حينه؛ والأستاذ فخري تركمان عضو المجلس التشريعي؛ والأخ قدورة موسى أمين سر حركة فتح في محافظة جنين في حينه؛ واتصل الباحث رسلان محاجنة من مؤسسة بتسيلم الصهيونية  لحقوق الإنسان ووضعناه في صورة ما يجري بالتفصيل؛ واتصل كذلك اللواء فيصل أبو شرخ واللواء محمد ضمرة أبو عوض وأرادا وضع الرئيس الراحل ياسر عرفات في صورة الوضع وبالتفصيل.

وفي هذه الأثناء سمعنا أن هناك مبادرة من حزب الله يعرض فيها سماحة السيد حسن نصر الله مبادلة المحاصرين في اليوم الأخير من المعركة بالعقيد الصهيونى “تتنباوم” والذي خطفه الحزب في عملية خاصة ومعقدة.

ولذلك اتصلت بالأخ اللواء منير مقدح، وهو أحد مرجعيات كتائب شهداء الأقصى، وكان صديقاً قريباً جداً علينا، وله فضل كبير في دعم المقاومة ورعايتها. وتحدثت معه حول الصفقة المنظورة وعملية التبادل, وبعد لحظات اتصل بنا شخص من الخارج قال إن اسمه أبو حسن وهو من حزب الله، ونحن لم نكن نعرفه، وتحدث معنا عن ضرورة المماطلة والصبر وإطالة أمد الصمود حتى ينضج شيء ما, وفي الوقت نفسه اتصل ثابت المرداوي بالدكتور رمضان شلَّح، فأكد جدية طرح حزب الله في عملية التبادل.

هنا، افترش المقاومون الأرض وأخذوا في الاستراحة بالتناوب. وبعد فترة قصيرة، اتصل الأخ غسان السعدي (المطلق) وكان بجانبه الحاج عماد في مستشفى جنين، والأخ هشام الرخ وأبلغونا بأن بعض المقاومين قد استسلموا، وخاصة علاء الصباغ ونضال نغنغية، وهما من أخطر المطاردين لقوات الاحتلال الصهيوني، وكنا قد تركناهما من ساعات فقط في المنطقة الغربية، ما ترك انطباعاً لدينا بأن المجموعة التي تركناها خلفنا قد سلمت وانسحبت.

ولذلك، فقد تناقشنا بهدوء وبصوت عال أحياناً، ودرسنا وضعنا وحسبنا خياراتنا جيداً، حيث تجمعنا في منطقة منخفضة جداً تحت أنقاض البيوت، وحيث بدأت الجرافات الصهيونية الغازية بهدم كل شيء حولنا حتى تحول المكان إلى حفرة كبيرة نتيجة لهدم كافة بيوت المنطقة المحيطة، فبدونا كأننا في حفرة عميقة, وكانت الدبابات تحيط بالمكان ومروحيات الأباتشي تجوب السماء فوقنا مباشرة، وطائرة استكشافية تطلق القنابل الضوئية على مدار الساعة تحيل الليل نهاراً إذ لم يتوقف إطلاق القنابل الضوئية حتى الصباح, فالقناصة في كل مكان يحيطون بنا. كان الرصاص معنا، لم ينفذ كما يقول البعض…
لكن دون جدوى لعدم فعالية المواجهة. لقد كانت لدينا كميات من الذخيرة تكفينا شهراً, ولكن  في ظل هذه  الظروف (استسلام المجموعة المتواجدة غرب المخيم وعلى رأسها المطاردين؛ والحصار والطوق المحكم من حولنا؛ ومبادرة حزب الله التي يكتنفها الغموض) لم يكن في المكان إلا خمسة مطاردين من أصل سبع وعشرين، وهو عددنا بالكامل من مقاومين وأمن وطني.
وبالتالي، فإن من سيتعرض للسجن أو التصفية هم خمسة فقط، وأما الباقي، فسيفرج عنهم، فلماذا نضحي بالجميع؟ لقد كنت، ومن معي من المقاومين، على قناعة بأن المطاردين ستتم تصفيتهم، وهذا ما أكده لنا الدكتور صائب عريقات.
لذلك، كان القرار بالإجماع من كل المقاومين، ومن كافة الفصائل، باستثناء رفض الشبل عصام أبو سباع الذي كان والده قد استشهد خلال المعركة والحج علي الصفوري الذي كان قد تحفظ ورفض, ولكنهما في النهاية وافقا على القرار بعد سماع الأنباء حول مبادرة حزب الله. وهنا، خلع الحاج علي الصفوري اللباس العسكري (الأوفرهول), وخلع عصام أبو سباع بنطاله العسكري ولبسه بالعكس.

بعد اتخاذ القرار بهذه الاتجاه، اتصل بنا الدكتور صائب عريقات وأبلغنا بأن العدو الصهيونى أعدم الشيخ إبراهيم جبر وابنه مصعب، وتبين عدم صحة هذا الخبر فيما بعد، وبأن االصهاينة سيصفون المطاردين منا. وأبلغنا أنه على تواصل مستمر مع  الرئيس ياسر عرفات والمبعوث الأمريكي أنتوني زيني. وبناءً على ذلك، فكلما كانت تتقدم الدبابات كنا نتصل مع الدكتور صائب عريقات، وبعد دقائق يتم وقف تقدم الدبابات والجرافات! وقد كان مسار المفاوضات الذي قدته بنفسي مع قوات الاحتلال على هذا النحو، بكل ما سبقه وتخلله وتلاه:

1.    إبلاغ كافة وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان بوضعنا ونحن محاصرين وعددنا وأسمائنا الرباعية، وبخاصة منظمة بتسليم, ومركز عدالة؛
2.    الاتصال بأعضاء الكنيست عن الأحزاب العربية ووضعهم في صورة حصارنا، وبخاصة الدكتور عزمي بشارة, والدكتور أحمد الطيبي, ومحمد بركة, وهاشم محاميد؛
3.    التواصل مع القيادة الفلسطينية وخاصة الرئيس الراحل ياسر عرفات، والذي أمر بدوره بالإيعاز لبعثاتنا وممثلياتنا وسفارتنا في الخارج نقل ما يحصل معنا تحت الحصار، والتواصل مع القادة العرب رغم مقاطعتهم له في تلك الفترة؛
4.    التواصل مع قادة الفصائل الوطنية والإسلامية, حيث تحدثت مع الأخوة مع الدكتور عبد العزيز الرنتيسي, والدكتور رمضان شلح. وكنت على تواصل مستمر مع مكتب الرئيس وخاصة اللواء فيصل أبو شرخ واللواء محمود ضمرة أبو عوض؛
5.     لقد كان تواصلي المستمر والمباشر مع الأخ مروان البرغوثي, القائد العام لكتائب شهداء الأقصى والذي كان يتابع المعركة لحظة بلحظة؛
6.    التواصل مع كنيسة المهد وخاصة مع الأخوة جهاد جعارة والشهيد عبد الله داوود وإبراهيم عبيات ومازن حسين؛

وبعد إجراء كل هذه الإتصالات, اتفقنا على أن نطيل أمد المفاوضات التي بدأت الساعة العاشرة والنصف حتى الصباح ...

أولاً، حتى يكون هناك صدى إعلامياً وتصل الرسالة إلى الجميع من أجل عدم تصفية أي مقاوم؛

وثانياً حتى نخرج في ساعات النهار بغية وضوح أفضل لمسارنا وللحيلولة دون تنفيذ أي محاولة للتصفية من قبل قوات الاحتلال الصهيونية.

وثالثاً، حتى نتمكن من دفن السلاح وعدم تركه غنيمة للصهاينة. وقد أبلغني الدكتور صائب عريقات بأن ما يسمى الناطق باسم جيش الاحتلال الصهيونى يريد الحديث معي من تل أبيب. فقلت له لا مانع, فاتصل بعد دقائق، أي حوالي الساعة العاشرة والنصف, وطلب أن نسلم أنفسنا وبسرعة.

فقلت له بأنكم تريدون تصفيتنا ولا يوجد ضمان, لذلك نريد قدوم الصليب الأحمر ومؤسسات حقوق الإنسان وأعضاء الكنيست العرب. فرفض هذا الطلب، وأكد بأن الوضع قد انتهى وأنهم لا يريدون إيذاء أحد. وقد لاحظت بأنه متضايق من الأخبار التي “تسيء إلى سمعة الكيان الصهيونى أمام العالم,” من وجهة نظره، وخاصة الإشاعات والمعلومات بأن هناك مئات القتلى من المدنيين تصل إلى 500 مواطن فلسطيني، وهذا ما “خشي” منه شمعون بيرس حين قال: “أخشى أن تبدو صورة الكيان الصهيونى سيئة بعد انقشاع غبار المعركة.”

قلت للناطق بلسان جيش العدو سأعود بعد قليل, ثم اتصلت بالدكتور صائب عريقات وأكد لي بأنهم يريدون تصفيتنا. فيما كان رد الأخ مروان البرغوثي: “إنكم الأقدر على تقدير الموقف وأخذ القرار بذلك, أنتم في الميدان يا أخي جمال، وما ترونه مناسبا نحن معكم وندعمكم.”

حاولت إغلاق النقال مدة ساعة أو ساعتين, للمماطلة وحفاظاً على البطارية، ثم بدأت الجرافات والدبابات بالتقدم، وكانت القنابل الضوئية تزداد في السماء، والقناصة يقتربون أكثر فأكثر منا ويحكمون الطوق حولنا, ففتحت النقال وعاد ما يسمى الناطق باسم جيش الاحتلال بالاتصال مرة أخرى, فقلت له, نريد ضمانات، فقال لي: “أنت شخص مماطل وغير جدي، لكن قائد العملية في جنين يريد الحديث معك.”

وبعد ساعة تقريباً اتصل قائد العملية على البلفون, وقال: “ماذا حدث معكم؟ متى تخرجون؟ فقد بدأت حتى الشمس بالطلوع!”, فقلت له سنخرج. وطلب خلع ملابسنا، فقلت له: لا نستطيع. بعد أن تأكد لنا أن عملية ومبادرة حزب الله في التبادل رفضت بالمطلق من قبل حكومة الاحتلال الصهيونى… سنخرج دون خلع ملابسنا. ولكن القائد الصهيوني أصر، وقال: “أنتم تضعون أحزمة ناسفة حول خصوركم،” فقلت له: لا يوجد أحزمة، وأنا أضمن ذلك. فضحك، وقال: “إنت بتتخوث، وتلعب فينا. ولا تريد التسليم، بل تماطل لحاجة في نفسك.” واستمرت المفاوضات على خلع الملابس ساعة كاملة حتى أصبحت الساعة السابعة صباحاً. وقلت لهم نحن جاهزون للخروج دون خلع الملابس، وصعدت على كومة ردم من البيوت المهدمة, وتقدمنا بشكل سريع.


الزعبور وهو يتحدث العبرية ونزل على الردم ورفع بلوزته وهو يقول: “نحن مدنيون.” نزلنا جميعاً (وكنا 27 مقاوماً) ووقفنا في صف طويل. اقترب منا ضابط قال بأنه قائد العملية، وقال: “أين جمال؟”

فتقدمت، فقال لي: “أنت قصير. فقلت له: قصير مثلك!” فرفع يده، كمن يؤدي تحية، ثم قال: “لو كنت مكان شارون لما فعلت ذلك. أنتم قاومتم مقاومة لم نشهدها من قبل، وخاصة أنا، فأنتم مقاتلون أشداء، وأنا فخور بخوضي هذه المعركة. ولكن، أنا متأكد بأننا سنجلس معا على طاولة المفاوضات يوما ما.” فقلت له: “هذا هو كلامكم دائماً بعد أن تقتلوا وتدمروا ولا تبقوا شيئاً، تقولون: نريد السلام. أنتم لم تنتصروا, نحن انتصرنا بصمودنا وإرادتنا.”

بعد ذلك، قام جنود الاحتلال بتكبيل أيدينا إلى الخلف، ووضعونا في بيت الحاج أبو محمد الفايد الذي أصيب في قدمه (وكان ابنه جمال قد اختبأ في “سدَّة” داخل البيت طوال فترة وجود الجنود الصهاينة فيه لمدة تقارب عشرة أيام), وكان هناك جنود بشكل كثيف، وذهلنا من عدد القناصة والجنود والآليات في الشوارع رغم مضي 11 يوم على بدء المعركة, ومكثنا فترة من الوقت في بيت أبو محمد الفايد, ومن ثم نقلونا إلى مكان قريب من بيت أبو علي عويس. وهناك كان الجنود متأثرين وحاقدين جرَّاء على مقتل زملائهم، وكانوا يفتشوننا، ودفعونا على تلة تراب صغيرة. وقال لي قائد العملية: “في حد ظل جوَّه؟ بدنا ندمر المخيم بالـ 16F.” فقلت له، إفعل ما تشاء فهذا قرارك وليس قراري, فالمخيم مدمر أصلاً، وماذا تبقى فيه ليتم تدميره بالـ F16؟ وطلبت منه أن أرى المخيم وهو مدمر, فمسك بيدي وأنا مكبل، وأراني جزءاً بسيطاً, ثم قال: “جمال، أنا الآن انتهى دوري والشباك يريدونكم.” وبعد ذلك، طلب أحد الجنود من المقاوم عمر أبو الشريف أن ينادي ويطالب “من لم يخرجوا”، إن بقي أحد أصلاً لم يخرج، بالتسليم, لكن الشريف رفض ذلك, وقال له: “هذا شغلك مش شغلي!”

وضعونا على تلة من الردم لفترة من الوقت حتى قدمت وسائل الإعلام الصهيونية ليؤكدوا للعالم بأنهم غير مجرمين ولا يقتلون الأسرى، وتكون الرواية الفلسطينية حول حدوث مذبحة في جنين محض بروبوغاندا، وليؤكدوا لمجتمعهم “انتصارهم” على مخيم لاجئين! عندها قدم عجوز صهيوني، يبدو أنه مصور عسكري أو أمني متخصص، فضحك الشباب على هيئته، ونظرت إليه بازدراء، فسألني: “علام تنظر؟” فقلت له ساخراً: الضابط سمح لي بالنظر! فنقلني إلى مكان أبعد عن الشباب، وأجلسني مرة أخرى على ركبي، ووجه للحائط. ثم نقلونا من أمام بيت أبو علي عويس (وكان مدمراً، وكان في البيت قبل تدميره، دكانة صغيرة، وكان الجنود الصهاينة يأكلون مما فيه من أطعمة معلبات وعصائر!)، وكان بعضنا يقابل الآخر, وكان الحج علي الصفوري ينظر إلى الأرض، فقلت له: “يا حاج علي إحنا مش مجرمين، اتطلع في الكاميرات بتحدي… فضحك وضحك الجميع، ضحكاً من ذهب!” وضعونا قبالة حائط يفصل مسجد المخيم الكبير  عن معمل طوب راغب السعدي، وأجبرونا على الجلوس على ركبنا ورؤوسنا إلى الحائط، وأحضروا عصبات رمادية بخطوط زرقاء، ذكرتنا بألبسة الـ”باسياك” التي كان ضحايا معسكرات النازية يجبرون على ارتدائها… هذا بالإضافة إلى الإصرار على التعرية، وتحديداً المنطقة العلوية من الجسم. كما زاد من التماثل الذي حضر إلى أذهاننا بمعسكرات النازية الإشارات الملونة التي علموا بها جباهنا، وأيدينا. مكثنا فترة طويلة حتى أن أقدامنا أصابها الخدر.

عندها، وقف شخص خلفي، يبدو أنه كان جاسوساً محلياً، ونطق اسمي بلهجة فلسطينية واضحة: “جمال حويل،” ثم وقف خلف الحاج علي الصفوري، وأشار إليه، ونطق اسمه: “الحج علي الصفوري.” فقال له ضابط المخابرات الصهيوني: “قصدك الحج هاون،” ملغزاً إلى كون الحاج علي الصفوري كان مشهوراً بتصنيع قذائف الهاون!

واقتادوني أنا والحاج علي الصفوري بالقوة ونحن لا نستطيع الوقوف بسبب تخدر أقدامنا إلى داخل المسجد, ثم وضعونا كل واحد في مكان, وأجلسوني على ركبتي، وشعرت أن هناك ضابط مخابرات أمامي يجلس على كرسي, وقال لي: “مرحبا جمال حويل!” فقلت: أهلين! فقال: “سمعت أن هناك عملية ستحدث في العفولة؟” فقلت له: أنا إنسان مدني واعتقلت من بيتي. فقال لي كلمة بذيئة، ثم قال باستخفاف وشماتة: “أنت تفاوض لوقف إطلاق النار مع الجيش؟ من أين أتيت بالسلاح؟” فقلت له أنا إنسان مدني, فما شعرت إلا بضربة بكعب بندقية في مؤخرة رأسي أسقطتني على الأرض، وشعرت، كما في الصور المتحركة، كأن عصافير ونجوم تدور حولي رأسي من شدة الضربة! ثم هجم علي عدد كبير من الجنود الذين كانوا يضرب في الأماكن الحساسة من الجسم: في البطن والرأس والظهر. وقد قام أحد الجنود بمسكي من رأسي، وشعرت بأنني سأستشهد وسيقومون بتصفيتي، وكنتُ فرحاً أن أكون شهيداً في مسجد المخيم، وقام بجري على سجاد أرضية المسجد، ثم رفعني وبدأ يضرب رأسي بعمدان المسجد حتى سال الدم من كل مكان في وجهي ورأسي. وفي هذه الأثناء، كان الحاج علي يُلاقي نفس المصير، ويأخذ “نصيبه” من الضرب والتعذيب ضمن من يسميه الأعداء الصهاينة بـ”التحقيق الميداني.”

أما في الخارج، فقد سمعنا صوت إياد السلفيتي وهو يصيح جرَّاء الضرب والتعذيب، ويشتم الجنود بالعبرية والعربية، ويُضرب بشكل عنيف…. ولم أعرف السبب إلا بعد لقائي به في السجن، حيث تبين أنه فهم ما يسبوننا به ويقولوا عنا بأننا حيوانات, فسألهم: “كيف حيوانات وأنتم تتحدثون إليهم؟” فاستشاط الجنود غضباً وضربوه ضرباً مبرحاً في كل مكان.

ومن أجمل لحظات المقاوم إياد السلفيتي، في المعركة، أن ابنه نجيب قد ولد وهو محاصر. ومن ثم قام الجنود بتجميعنا في سيارة نقل جنود, حيث قاموا برمينا بعضنا فوق الآخر ككومة من الجثث، وكنا مكبلين ومعصوبي الأعين، حيث اقتادونا إلى معسكر سالم، ومن ثم إلى الجلمة، ومنه إلى التحقيق السري، ولذلك التحقيق رواية أخرى.


يتبع غدا الحلقة الاخيرة

  • الحصار الأخير ومُرِّ الخيارات ,,, يوميات معركة مخيم جنين
انشر عبر
  • على الحدود خلف السدود
  • ما بتهزمنا حشود العادي
  • فجر ثورة غضبك
  • خالد بشير